فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما فعلتَ، ولا يَدخُلنَّك عُجبٌ فتَخسر، وتمِّم أبا سليمان النيَّة والحُظْوة، يُتمّم الله لك (1)، وإياك أن تُدِلَّ بعملك، فإن المنَّ لله، وهو وليُّ الجزاء والسلام. ولما قرأ خالد كتابَه قال: هذا من عمل الأُعَيسِر، حَسَدني أن يكون فتحُ العراق على يدي.

قال ابنُ إسحاق: كتب أبو بكر رضوان الله عليه وهو بالعراق: أما بعد، فدَع العراق، وخَلِّف فيه أهلَه الذين قدمتَ عليهم وهم فيه، ثم امضِ متخفِّفًا في أهل القوَّة من أصحابنا، الذين قدموا معك من أهل الحجاز، حتى تأتي الشام، فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا لَقيتَهم فأنت أميرُ الجماعة، والسلام.

[ذكر انفصال خالد عن العراق إلى الشام]

لما انفصل خالد عن العراق استخلف المثنى بن حارثة على مَن تخلَّف من المهاجرين، ومَن بقي معه من الصحابة والتابعين، فانحاز بهم نحو البرّيّة مما يلي الأنهار، مخافة عليهم من الفُرس حتى يأتيهم المدد، وأخذ خالد على السَّماوة حتى انتهى إلى قُراقر، وبينها وبين سُوَى خمس ليال، فلم يعرف الطريق، فدُلَّ على رافع بن عمرو، وكان هاديًا خِرّيتًا، فقال: ما عندك يا رافع؟ فقال: هذه مَفاوز موحشة، ومَهامِه مُقفرة، ما سلكها إلا مغرور، ومعكم أَثقال، فمن استطاع منكم أن يُصيِّر أُذنَ راحلته على ماء فليفعل، ثم قال: ابغِني عشرين جَزورًا عظامًا سمانًا، فأتاه بها، فظمَّأهُنّ حتى أَجْهَدَهُنَّ عطشًا، ثم سقاهنّ من الماء حتى روين، ثم قطع مَشافرَهُنَّ لئلا يَجتَررْن، وكَعَمَهُنَّ (2) لئلا يَفسُدَ الماء في أجوافهنَّ بالجرة، ولئلا يخرج، ثم قال لخالد: سِرْ.

فسار، فكلما نزلوا منزلًا نحو من تلك الجزائر أربعًا، وسقى ما في بطونهنّ الخيل، وشرب الناس مما تزوَّدوا من الماء، فلما كان اليوم الخامس وقد نُحرت الجَزور كلها قال له خالد: ما ترى؟ وكان رافع قد رَمِدَ، فقال: انظروا هل تَرون شجرَ عَوسَج؟ فنظروا، فقالوا: لا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتَ يا خالد وأهلكْتَ، ثم وقف وقال: انظروا جيدًا، فنظروا، فلاح لهم شجرُ العَوْسَج على بُعد، فأخبروه، فقال: الله أكبر، أدركتُم الرِّواء، فلما وصلوا إلى شجر العَوْسج وجدوا عندها عينًا عذبة، فشربوا وسقوا،


(1) في الطبري 3/ 385: فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتم الله لك.
(2) كَعَم البعيرَ: إذا شدَّ فاه لئلَّا يعض أو يأكل. اللسان (كعم).

<<  <  ج: ص:  >  >>