فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد روى ابن أبي الدنيا عنه أنه كان يأخذ بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (1).

ذكرُ تواضُعِه وخوفِه: قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل بإسناده، عن أبي عمران الجَوْني قال: قال أبو بكر: وَدِدتُ أني شَعرةً في جَنب عبدٍ مؤمن. وفي روايةٍ: يا ليتني كنتُ شجرة تُعضَدُ، أي: تُقطَعُ، ثم تُؤكل، يا ليتني كنتُ كَبْشًا، فأكلني أهلي ولا أُبعثُ (2).

وقال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده، عن ابن أبي مُليكة قال: ربّما سقط السَّوطُ أو الخِطام من يد أبي بكرٍ، فيَضرب بذراع ناقته، فيُنيخُها، فيأخذُه، فيُقال له: ألا أمرتنا نناولكه؟ فيقول: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرني أن لا أسأل الناسَ شيئًا (3).

ذكرُ طرفٍ من خُطبه: قد ذكرنا عند خلافته طوفًا من ذلك.

وحدَّثنا غير واحدٍ، حدثنا إسماعيل بن أحمد بإسناده عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، أن أبا بكرٍ -رضي اللَّه عنه- كان يقول في خُطبته: أين الوِضاء، الحسنةُ وجوهُهم، المعجَبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بَنَوْا المدائن، وحصَّنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يُعْطَوْن الغَلَبةَ في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهرُ، فأصبحوا في ظلماتِ القبورِ. الوحا الوحا، النجاءَ النجاءَ (4).

وقال عبد اللَّه بن عُكيم: خطبنا أبو بكرٍ فقال: أما بعد فإني مُوصيكم بتقوى اللَّه، وأن تُثنوا عليه بما هو أهلُه، وأن تَخلِطوا الرَّغبةَ بالرَّهبة، وتجمعوا الإلحافَ بالمسألة فإن اللَّه تعالى أثنى على زكريا وأهلِ بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].

ثم اعلموا عباد اللَّه أن اللَّه قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقَكم، واشترى منكم القليلَ الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب اللَّه فيكم، لا تَفنى عجائبُه، ولا يُطفأ نورُه، فصدِّقوا قولَه، واستضيؤؤوا بنوره ليوم الظلمة، وإنما خلقكم لعبادته، ووَكل بكم الكرامَ الكاتبين، يعلمون ما تفعلون.


(1) الصمت وآداب اللسان (13)، وأخرجه أحمد في الزهد 135 - 136 و 139، ومالك في الموطأ 2/ 988.
(2) الزهد لأحمد 135 و 139.
(3) مسند أحمد (65).
(4) المنتظم 4/ 69، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (10111)، وابن عساكر 35/ 444.

<<  <  ج: ص:  >  >>