فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذهبتَ واللَّه بفضائلها، وأدركتَ سوابقَها, لم تُفْلَل حُجَّتُك، ولم تَضعُف بصيرتُك، ولم تَجبُن نفسُك، ولم يُرَعْ قلبُك.

كنتَ كالجبال لا تُحرّكها العواصف، ولا تُزيلها القواصف، كنتَ كما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أمنَّ الناس عليه في صُحبتك وذاتِ يدك، وكنتَ كما قال: "ضعيفًا في بدنك، قويًا في أمر اللَّه", متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند اللَّه، جَليلًا في أعين الناس، كبيرًا في نفوسهم، لم يكن لأحدٍ فيك مَعْمَرٌ، ولا لقائل فيك مَهْمَز، ولا لمخلوقٍ عندك هوادة، الضعيفُ عندك قويّ حتى تأخُذَ بحقِّه، والقريبُ والبعيد عندك في ذلك سواء.

أقربُ الناس إليك أطوعُهم للَّه وأتقاهم، شأنُك الحقُّ والصدقُ، والعفوُ والرِّفقُ، قولك حُكْمٌ وحَتْم، وأمرُك حِلمٌ وحَزم، ورأيُك علمٌ وعَزم، اعتدل بك الدِّين، وقوي الإيمان, وظهر أمرُ اللَّه، فسبقتَ واللَّه سَبْقًا بعيدًا، وأتعبتَ مَن بعدك إتعابًا شديدًا، وفُزتَ بالخير فوزًا مُبينًا، فجَلِلتَ عن البكاء، وعَظُمت رزيَّتُك في الأرض وفي السماء، وهدَّت مُصيبتُك الأنامَ، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون.

رضينا بقضاء اللَّه، وسلَّمنا لأمره، ولن يُصابَ المسلمون بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثلك أبدًا، ألحقك اللَّه بنبيِّك، ولا حَرَمنا أجرَك، ولا أضلَّنا بحدك، وسكت الناس حتى سمعوا وقضى كلامَه، ثم بكوا حتى ارتفعت أصواتُهم، وقالوا: صدقتَ يا خَتَن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (1).

ذِكرُ ميراثِهِ: قال الواقدي: لما تُوفي أبو بكرٍ سمع أبو قُحافةَ الواعيةَ بمكَّة، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات ابنك بالمدينة، فقال: رُزْءٌ جليل، فمن قام بعده بالأمر؟ قالوا: عمر بن الخطّاب، فقال: صاحبُه.

وورث أبو قُحافة من ولده السُّدس -يعني أبا بكر- فكُلِّم فيه فقال: قد رددتُه في ولد عتيق، يعني أبا بكر، ولم يأخذ منه شيئًا (2).

وقد روى بعضهُم: فسمع أبو قُحافة بمكة صوتَ الهائعة، وهو خطأٌ, لأنَّ الهائعة إنَّما تكون في الحرب، والواعيةُ في الموت.


(1) تاريخ دمشق 35/ 567 - 571، منال الطالب 395.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 210، وفيه: سمع الهائعة. وسيتكلم عليها المصنف.

<<  <  ج: ص:  >  >>