للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الصفةَ في كُتبنا، وأنك تُخرجنا من هذه الأرض، فقلت: لقد ذهبتَ كلَّ مَذهب، وضَللتَ وما أَنْتَ إذًا من المهتدين، فقال: ما اسمُك؟ قلت: عمن، قال: أنت واللَّه صاحبُنا من غير شكّ، ثم أخرج إليَّ هذا الكتاب، وقال: اكتب لي على ديري وما فيه، فإن كنتَ ذاك فما يَضرُّك، فكتبتُ له، وختمتُ عليه، وزوَّدني طعامًا كثيرًا، ونفقةً وثيابًا، ودفع إلى أتانًا وقال: اركبها، فإنك لا تمرُّ بأهل دَيرٍ إلا أكرموك وعلفُوها وسقوها، فإذا بلغتَ مَأمنك فا ضرب وجهها مدبرة، فإنها ترجع إلي.

قال: فخرجتُ، فوجدتُ ما قال، ووجدتُ رِفقةً من أصحابي، فضربتُ وجهها فولَّت مُدبرةً، ثم أكرم الراهب، وكتب في كتابه:

وعليكم أن تُضيفوا المسلمين، وتقوموا بأمر المرضى وتدلوا الحائرين (١)، قال: نعم.

وقال طارق بن شهاب: لما قدم رضوان اللَّه عليه الشام تلقته (٢) الجنود وعليه إزارٌ وخُفَّان وعمامة، وهو آخذٌ برأس راحلته يخوض الماء، وقد نزع خُفَّيه ووضعهما (٣) تحت إبطيه، فقيل له: يَا أمير المُؤْمنين، الآن تَلقاك الجنود وبطارقةُ الشام وأنت على هذه الحال، فقال: إنا قوم أعزَّنا اللَّه بالإِسلام، فلا نطلب العزَّ بغيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعتَ اليوم صنيعًا عظيمًا عند الناس، فصكَّ عمر في صدره وقال: لو غيرك يقولها، ثم قال: ويحك يَا عامر، كنتم أذلَّ الناس وأقلَّهم وأحقرهم، فأعزَّكم اللَّه بالإِسلام، فمهما تَطلبون العِزَّ بغيره يُذلَّكم اللَّه. ثم جيء ببِرذونٍ، فقيل له: اركب هذا ليراك العُظماء، فقال: دعوني، وأشار بيده إلى السماء (٤)، ولم يركبه.

وقال زيد بن أسلم: لما خرجَ عمر إلى الشام سلك على طريق أَيلة، فلما قرب من الشام عمد إلى مَركب أسلم فركبه وعليه فَروٌ مقلوب، وحوَّل غلامَه إلى مركبه، وكان على جملٍ أحمر قد ارتدى بعمامته، وتحته حقيبة على فرو، والعباس بين يديه على


(١) في (أ) و (خ): وتنزلوا الجائزين، والخبر في المجالسة (٢٠٠١)، وتاريخ دمشق ٤/ ٥٣ - ٥ و ١٨/ ١٤٥ - ١٤٦ (مخطوط).
(٢) في (ك): لقيته.
(٣) في (ك): وجعلهما.
(٤) في تاريخ دمشق ٢/ ٥٣: إنما الأمر من هاهنا وأشار بيده إلى السماء.