فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[السنة السابعة عشرة من الهجرة]

وفيها عاد سعدُ بن أبي وقاصٍ من المدائن إلى الكوفة، وتمَّم خِططها.

قال هشام بن الكلبي: لما نزلوا المدائنَ استَوخموها، فاصفرَّت ألوانُهم، وعَظمت بطونُهم، وقدم جماعةٌ منهم على عمر فأنكرهم وقال: ما هذا؟ وكان فيهم عبد اللَّه بن المعتَمّ، فقال: يا أمير المؤمنين، وباءُ البلاد ووَخَمُها.

قال سيف: فعجَّل عمر سراحَهم بعد أن قضى حوائجَهم، وكتب إلى سعدٍ: أنبئْني ما الذي غيَّر ألوانَ العرب ولحومهم؟ ! فكتب إليه سعد: وَخَمُ المدائن ودجلة، فكتب إليه عمر: إنَّ العرب لا يُوافقُها إلَّا ما يُوافق إبلَها من المباركِ، فابعث حُذيفة وسلمان يرتادان لكم منزلًا برِّيًّا بحريًّا، لا يكون بيني وبينكم بحرٌ ولا جسرٌ.

فخرجا يرتادان، فلم يريا أصلحَ من الكوفة فإنها على حَصْباء رَمْلةٍ، وكلُّ حَصْباء رَمْلة فهي كوفة، وكان في أرضها ثلاثةُ أديرةٍ: دير حُرَقة، وديرُ هند ابنتي النعمان بن المنذر (1)، ودير قُرّة أو دير سلسلة، فأعجبهما ذلك المكان، فرجعا إلى سعدٍ بالخبر، فارتحل سعدٌ بالناس من المدائن، وخيَّر مَن شاء منهم بين الإقامة والرَّحيل، وجاء فنزل مَوضع الكوفة، وصلَّى ركعتين وقال: اللهمَّ بارك فيه، واجعله منزلَ قَرارٍ وثباتٍ، ودار سلام (2).

قال الواقدي: وكان نزوله بالكوفة في المحرم سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثماني عشرة. والأوّل أصحُّ.

وكتب سعدٌ إلى عمر: إنَّني قد نزلتُ الكوفة، منزلًا بين الحيرة والفُرات بَرِّيا بحريًّا، يُنبت الشِّيح والقَيصوم والنِّصِيَّ والكَلأ، وإنّي خَيَّرتُ المسلمين، فاختار بعضهم المقام بالمدائن فتركتُه. فكتب إليه عمر يُباركُ له في منزله.

قال الهيثم: وبنى سعدٌ قصر الإمارة، ونزل المسلمون في أكواخ القَصب، فوقع


(1) في (أ) و (خ): دير حرقة بنت النعمان ودير هند أختها.
(2) في الطبري 4/ 40، والمنتظم 4/ 222 أن الذي قال ذلك حذيفة وسلمان.

<<  <  ج: ص:  >  >>