فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السنة التاسعَة عَشْرَة

قال خليفة: وفيها أَسرتِ الرومُ عبدَ اللَّه بن حُذافة السَّهْميَّ (1)، وذهبوا به إلى ملكهم وقالوا: هذا من أكابرِ أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال له الطاغيةُ: تَنَصَّرْ وأُشْرِكُكَ في مُلْكي، فقال: لو أعطيتَني جميعَ ما تَملك ما رجعتُ عن ديني، فقال له: تَنَصَّرْ وإلّا ألقيتُك في البَقَرةِ، فأبى، فدعا ببَقَرةٍ أو بقِدْرٍ من نحاسٍ، فصُبَّ فيها ماءٌ، وأُوقد عليها حتى التَهبت، ودعا بأسيرٍ من المسلمين، فألقاه فيها فإذا عظامُه تلوحُ، فأمر بعبدِ اللَّه أن يُلقى فيها فبكى، فظنَّه قد جَزع فقال: واللَّه ما بُكائي من الموتِ، وإنَّما أبكي حيثُ لم يكن لي إلَّا نَفْسٌ واحدةٌ تَفْعَلُ بها هذا في سبيل اللَّه، وكنتُ أتمنّى أن يكون لي عددُ كُلِّ شعرةٍ فيَّ، أو في جسدي، أَنفسٌ تفعلُ بها هذا في اللَّه تعالى.

فقال له الطاغية: هل لك أن تُقَبِّلَ رأسي وأُطْلقك؟ فقال: لا حتى تُطْلِقَ جميعَ أُسارى المسلمين، قال: نعم، فقبَّله فأطلق له ثمانين أسيرًا، فلما دخل المدينةَ كان عمرُ في المسجدِ، فقام إليه وقَبَّل رأسَهُ، وكان المسلمون بعد ذلك يُداعبونه فيقولون: قَبَّلْتَ رأسَ عِلْجٍ (2)! وفي روايةٍ: أنَّ عمرَ كتب إلى الطّاغيةِ يتهدَّده فأطلقَه.

وقد روى لنا الشيخ المُوَفَّقُ رحمه اللَّه القصَّةَ بإسناده عن سليمان بن حبيب قال: ما اخْتُبِر أحدٌ من المسلمين مثل ما اختُبِر عبد اللَّه بنُ حُذافةَ السَّهْمي، وكان قد شُكي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه صاحُب مُزاحٍ وباطلٍ، فقال: "اتركوه، إن له بطانةً يُحبُّ اللَّه ورسوله"، فرُمي على قَيْسارِيَّة، فأخذوه وبعثوا به إلى الطاغيةِ وهو بالقُسْطنْطينية، فقال له: تنصَّر وأُنكِحك ابنتي، وأُشْرِكك في مُلكي، فقال: لا أفعل، فقال: أقتُلُك، قال: فعجِّل، فأتى بأُسارى، فضرب أعناقَهم، فمدَّ عُنُقَه وقال: اضرِبْ، قال: فأتى ببَقَرةٍ من نُحاسٍ، فمُلِئت زيتًا، قال: وحَبَسه في بيتٍ وعنده لحمُ خِنْزيرٍ مشويّ، وخمرٌ ممزوج، فلم يأكُل ولم يشرب. . . وذكر إطلاقَ الأُسارى وتقبيل رأسِهِ (3).


(1) تاريخ خليفة 142.
(2) تاريخ دمشق (عبد اللَّه بن جابر - عبد اللَّه بن زيد) 134.
(3) التبيين 468 - 469، وأخرجه ابن عساكر 134 - 135، ومن قوله: وكان المسلمون بعد ذلك يداعبونه. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).

<<  <  ج: ص:  >  >>