للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ظَهير، كان مَربوطًا في الدار، فحمل عليه غِوارتَيْن ملأهما طعامًا، وجعل بينهما نَفقةً وثيابًا، وناولها خِطامَه وقال لها: اقتاديه، فلن يَفنى هذا حتى يأتيَكم اللَّه بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرتَ لها! فقال عمر: ثَكلتْك أمُّك، واللَّه إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حِصنًا زمانًا فافتتحاه، ثم أصبحنا نَستَفيْءُ سُهْمَانَهما فيه. انفرد بإخراجه البخاري (١).

وقال أبو نعيم بإسناده عن الأوزاعي أن عمرَ بنَ الخطاب خرجَ في سوادِ الليل، فرآه طلحةُ، فدخل عمر بيتًا، ثم دخل بيتًا آخر، فلما أصبح طلحةُ ذهب إلى ذلك البيت، فإذا عجوزٌ عَمياء مُقْعَدَةٌ، فقال لها: ما بالُ هذا الرجل يَأتيك؟ فقالت: إنَّه يَتعاهَدُني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يُصلحني، ويُخرِجُ عنّي الأذى، فقال طلحةُ: ثكلتْكَ أُمُّك يا طلحة، أعَثراتِ عمر تَتبَّع (٢)؟

وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن عمر قال: قَدِمت رُفْقَةٌ من التُجّارِ فنزلوا المصلَّى، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوفٍ: هل لك أن نَحْرُسَهم الليلةَ من السَّرق؟ قال: نعم، فباتا يَحرسانهم ويصلِّيان ما كتب اللَّه لهما، فسمع عمرُ بكاءَ صبيِّ، فتوجَّه نحوه وقال لأُمِّه: اتَّقي اللَّه وأحسِني إلى صبيِّكِ، ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه، فعاد إلى أُمِّه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاءَه، فأتى أُمَّه فقال لها: وَيحكِ، إني لأراك أُمَّ سوءٍ، مالي أرى ابنَك لا يَقِرُّ منذ الليلة؟ فقالت: يا عبدَ اللَّه، قد أَبْرَمْتَني منذ الليلةِ، إني أُرِيغُه عن الفِطام فيأبى ذلك، قال: ولمَ؟ قالت: لأنَّ عمرَ لا يَفْرِضُ إلا للفُطُم، قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهرًا، قال: وَيحكِ لا تُعجِليه، فصلّى الفجرَ وما يَستبينُ الناسُ قِراءتَه من غَلَبة البُكاءِ، فلما سلَّم قال: بُؤسًا لعمر كم قتلَ من أولادِ المسلمين، ثم أمر مناديه فنادى: لا تُعجِلوا صِبيانَكم عن الفِطام، فإنا نَفرِضُ لكلِّ مولودٍ في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق (٣).

قال أسلم: أتينا الحرَّة مع عمر فإذا امرأة تمخض وتبكي، فسألها عمر عن حالها


(١) في صحيحه (٤١٦٠). وهذا الخبر ليس في (ك).
(٢) حلية الأولياء ١/ ٤٨.
(٣) طبقات ابن سعد ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١.