للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال: ثم سار غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وَديعةَ الأنصاري، فسلّم عليه، ودنا منه وسايره، فقال له: ما تقول الناس في أمرنا؟ فقال: منهم المُعجَب به، ومنهم الكاره، كما قال الله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨]، قال: فما قول ذوي الرأي منهم؟ قال: يقولون: إن عليًّا كان له جمعٌ عظيم ففرَّقه، وكان له حِصنٌ حصينٌ فهَدَمه، حتَّى متى يبني ما هَدم، وحتى متى يجمع ما قد فَرّق، فلو أنَّه كان يمضي بمَن أطاعه فيقاتل مَن عصاه حتَّى يَظهر أو يَهلك لكان ذلك الحزم.

فقال علي: والله لقد هممتُ بإلاقدام، ووطَّأتُ نفسي على الموت، فنظرتُ [إلى هذين] قد ابتَدراني -يعني الحسن والحسين- ونظرتُ إلى هذين قد استَقْدماني -محمد بن الحنفيّة وعبد الله بن جعفر- فعلمتُ أن هذين -يعني الحسن والحسين- إن يهلكا انقطع نَسْلُ محمد من هذه الأمة، فكرهت ذلك، وايم الله لئن لقيتُهم بعد اليوم لا يكون معي أحدٌ منهم (١).

وفي رواية أن عليًّا قال: والله ما هدمتُ ولا فرَّقتُ، هم هدموا وفَرّقوا، ولقد هممتُ أن أقاتل بمن أطاعني مَن عصاني، حتَّى رأيتُ هذين الغلامين يتقدَّماني -يعني: الحسن والحسين- وذكر بمعناه وقال: والله لا بكياني (٢) في عسكر أبدًا.

رجع الحديث إلى أبي مخنف، قال جندب: ثم مضى حتَّى إذا جاوزنا دورَ بني عَوْف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال علي: ما هذه القبور؟ فقال قدامة بن عجلان الأزدي: يا أمير المؤمنين، إن خَبَّاب بن الأرَتّ توفّي بعد مَخرجك، فأوصى أن يُدفن في الظَّهْر، ودفن الناس إلى جنبه، فقال: رحم الله خبابًا، لقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلي في جسده أحوالًا، ولن يُضيع الله أجرَ مَن أحسن عملًا، ثم جاء حتَّى وقف عليهم فقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحال المُقْفِرة، أنتم لنا فَرَطٌ، ونحن لكم تبَع، ونحن عما قليل بكم لاحقون، ثم دعا لهم.

قال أبو مخنف: ثم أقبل حتَّى حاذى سِكّة الثوريّين، فسمع البكاء فقال: ما هذه


(١) تاريخ الطبري ٥/ ٦٠ - ٦١.
(٢) لم ينقط من الكلمة في (خ) غير النون والياء.