فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فكتب إليه أمير المؤمنين. أما بعد فإن الدنيا زائلة، فلا تُحبط عملَك بموافقة معاوية على باطله، ولو اعتبرتَ بمَن مضى انتفعتَ بما بقي والسلام.

[ذكر اجتماع الفريقين على التحكيم]

قال علماء السير ممن سمَّينا، دخل حديث بعضهم في بعض: لما تراضى الفريقان على تحكيم الحكمين اجتمع قُرّاء العراق [وقرّاء] أهل الشام، فقعدوا بين الصفين، ومعهم المصاحف يتدارسونها، فقال أهل الشام: فإنا قد اخترْنا عمرو بن العاص، وقال الأشعث بن قيس ومن معه من قُرّاء أهل العراق: وقد رضينا نحن بأبي موسى الأشعري، فقال علي: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني في آخره الآن، إني لا أثق بأبي موسى ولا بحَزْمه، وإنه غير ثقة ولا مأمون، قد خَذّل الناس عني، ثم هرب مني حتَّى آمنتُه، ولكن أجعل لذلك عبد الله بن عباس، فقالوا: والله ما نُبالي أكنت أنت أم ابن عباس، وأيّ فرقٍ بينك وبينه، فأنت منه وهو منك، وأبو موسى لم يزل مُعتزلًا ما نحن فيه، وإنما نُريد رجلًا ليس منك ولا من معاوية.

قال علي - عليه السلام -: فلِمَ ترضون لأهل الشام بعمرو بن العاص؟ قالوا: أولئك أعلم، إنما علينا أنفُسَنا. قال: فإني أجعل الأشتر، فقال الأشعث بن قيس ويزيد بن خطّاب (1) ومسعود بن فَدَكي ورؤس الخوارج: وهل سَعَّر البلادَ والدنيا غير الأشتر، وهل نحن إلا في حكم الأشتر؟ فقال علي: فما حُكمُه؟ قالوا: أن يَضرب بعضُنا بعضًا بالسيوف حتَّى يكون ما أردتَ وما أراد، قال علي: فقد أبيتُم إلا أبا موسى؟ ! فأصنعوا ما بدا لكم.

قال: فبعثوا إلى أبي موسى، وكان قد اعتزل الناس، وهو بعُرْض، مكان بالشام (2)، فدخل عليه مولى له، فقال له: قد اصطلح الناس، فقال: الحمد لله رب العالمين، قال: وقد جعلوك حَكمًا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

وقال هشام بن محمد: وكان أبو موسى يقول قبل ذلك: إن الفتن لم تزل في بني


(1) كذا، وهو خطأ صوابه: زيد بن حُصين.
(2) بين تدمر والرصافة. معجم البلدان.

<<  <  ج: ص:  >  >>