للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومن الحوادث بكاؤه: حدثنا عبد الرحمن بنُ أبي حامد الحربي، بإسناده عن الحسن البصري قال: لما أُهبِطَ آدم من الجنة بكى ثلاث مئة عام لا يرفع إلى السماء رأسه حياءً من الله تعالى، ولا وضع يده على حوَّاء ولا ألِفَها ولا سكن إليها، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يومًا، قال فجاءه جبريل فقال: يا آدم ما هذا الجهد الذي بك؟ وما هذه البليَّة التي أجحفت بك؟ وما هذا البكاء؟ فقال: يا إلهي، كيف لا أجهد وأبكي وقد حوَّلتني من دار البقاء إلى دار الفناء، ومن دار النَّعيم إلى دار الشقاء، ومن دار الراحة إلى دار التعب والعناء؟

وفي رواية ابن أبي الدنيا (١) عن الحسن أيضًا قال: سجد آدم على جبل سرنديب ثلاث مئة عام يبكي حتى جرت الأنهار من دموعه، فأنبت الله منها أنواع الطِّيب بأرض سرنديب، واجتمعت الغدران من دمعه، فجاء نسر عظيم فشرب من غدير وجلس إليه، فأنِس به ولم يعلم أنها دموعه، فقال له النسر: من أين هذا الماء؟ ما أطيبه، ما ذقت ألذَّ منه. فازداد آدم بكاء وقال: أيها النسر أتسخر بي؟! قال: ولم؟ قال: هذا دمعُ مَن عصى ربَّه، فمن أين له الطِّيب؟ فقال له النَّسر: وأيُّ ماءٍ ألذُّ من دمع عاصٍ ذكر ذنبه، فوجل قلبه، فاستغفر ربه.

وحكى الثعلبي عن شهر بن حوشب: أنه أقام مئة سنة لم يقرب حوَّاء.

قرأت على شيخنا الإمام الموفَّق عبد الله بنِ أحمدَ المقدسيِّ رحمه الله تعالى بظاهر دمشق بقاسيون في سنة أربع وست مئة، قلت له: أخبركم أبو الفضل مسعود بن عبيد الله بن النَادر (٢) فأقرَّ به، قال: حدَّثنا أبو بكر محمَّد بن الحسين بإسناده عن عمر بن ذر عن مجاهد قال: لما أكل آدم من الشجرة تساقط عنه جميع ما كان عليه من زينة الجنَّة، فقال لحوَّاء: استعدِّي للخروج من جوار الرحمن، فهذا أوَّل شؤم المعصية، فقالت: يا آدم، ما ظننت أنَّ أحدًا يحلف بالله كاذبًا. ثم هرب آدم في الجنة فتعلقت به شجرة، فظنَّ أنَّه قد عوجل بالعقوبة، فجعل يقول: العفو العفو، فقال الله للملائكة: أَخرِجَا آدم وحوَّاء من جواري، فنزع جبريلُ التَّاجَ عن رأسه والإكليل عن جبينه، فلما هبط من دار


(١) في الرقة والبكاء (٣٢٥).
(٢) هو مسعود بن علي بن عبيد الله، سيترجم له المصنف في سنة (٥٨٦ هـ)، والخبر في التوابين ٤٨.