للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

اتبعني. فإذا هي قد تعلَّقت ببعض أشجار النهر (١).

وروى ابنُ عساكر قال: كان أبو مسلم يخوضُ دجلة وهي ترمي بالخشب من مدِّها، ولا يضرُّه ذلك (٢).

[قلت: هذا واحدٌ من الأمة شارك الخليل في خوض النار، وشارك موسى في خوض البحر] (٣).

قال عطاء: قالت امرأة أبي مسلم الخَوْلاني: ليس لنا دقيق. فقال: هل عندكِ شيء؟ فقالت: درهمٌ بِعْنا بِهِ غَزْلًا. فقال: اِبْغِينيه، وهاتي الجِراب. وأخذَه ومضى إلى السوق، ووقفَ على بائع الطعام، فجاء سائل، فقال له: تَصَدَّقْ عليَّ للهِ تعالى. فأعطاه الدرهم، وعَمَدَ إلى الجِراب، فملأه من نُحاتةِ النَّجَّارِين، ثم أقبل إلى [باب] بيته، فرماه في الدِّهْليز، ومضى إلى المسجد.

فأخذتِ المرأةُ الجِراب، فإذا فيه دقيق حُوَّارَى (٤)، فعجَنَتْ (٥) منه وخَبَزَتْ. وجاء أبو مسلم بعد هَدِيءٍ (٦) من الليل، فدخل فقدَّمَتْ إليه أرغفةً، فقال: من أين لكم هذا؟! قالت: من الدقيق الذي جئتَنا به في الجِراب، ولا تشتري إلا منه. فجعل يأكل ويبكي. ويقول: نعم (٧).

وكانت لأبي مسلم منزلة من معاوية، كان إذا دخل عليه قام وقعد بين يديه.


(١) أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" ص ٥٠٣ (ترجمة أبي مسلم) من طريق أبي نعيم، ولم أقف عليه في "الحلية". وذكره ابن الجوزي في "صفة الصفوة" ٤/ ٢١٠.
(٢) تاريخ دمشق ص ٥٠٣ و ٥٠٥.
(٣) ما بين حاصرتين من (م).
(٤) أي: دقيق أبيض، وهو لُباب الدقيق.
(٥) في (ب) و (خ): فعجبت. والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصادر.
(٦) أي: حينَ هَدَأ الليل. ووقع في (م): هَوِيّ، أي: ساعة. ينظر "القاموس": (هدأ -هوى).
(٧) تاريخ دمشق ٥٠٨ - ٥٠٩، وصفة الصفوة ٤/ ٢١١، وسير أعلام النبلاء ٤/ ١٢. وليس فيها آخر الخبر قوله: "ويقول نعم" ونُسب الخبر في (م) للخطيب البغدادي، وقد أخرجه ابن عساكر من طريقه، ولم أقف عليه في "تاريخ بغداد".