للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما قرأ ابنُ زياد كتابَه قال: هذا كتابُ رجل ناصحٍ لأميره، مشفقٍ على قومه، نَعَمْ قد قبلتُ. فقام إليه شَمِرُ بنُ ذي الجَوْشَن وقال: أتقبلُ هذا منه وهو إلى جانبك؟! واللهِ لئن رَحَلَ عن بلادك ولم يضع يده في يدك ليكوننَّ أولى بالقوة والعزّ، ولتكوننَّ أولى بالضعف والعجز، واللهِ لئن لم ينزل على حكمك ليكوننَّ وهنًا عليك، ولقد بلغني أنَّ الحسين وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين، فيتحدَّثان عامَّة الليل. فمال ابنُ زياد إلى قول شَمِر وقال: الرأيُ ما قلتَ (١).

وجعل الرجل والرجلان والثلاثة من أهل الكوفة يتسلَّلُون إلى عسكر الحسين ، وبلغ ابنَ زياد، فخرجَ، فعسكر بالنُّخَيلَة (٢)، واستخلف على الكوفة عَمرو بن حُريث، وضبط الجسر، فلم يترك أحدًا يجوزُه (٣).

وعقد ابنُ زياد لحُصين بن تميم التميمي على ألفين (٤)، وبعثه مددًا لعُمر بن سعد، فصاروا ثمانيةَ آلاف. ولم يبلغ الذين مع الحسين مئة.

ودعا ابنُ زياد شَمِرًا، وناولَه كتابًا، وقال له: اذهبْ به إلى عُمر بن سعد، فليعرض على حسين وأصحابه النزولَ على حكمي، فإن فعلوا فليبعثْ بهم سِلْمًا، وإن أَبَوْا فليقاتِلْهم، فإن امتنع فاضرب عنقه، وأنت الأمير على الناس (٥).

وكان في الكتاب: إني لم أبعثْك إلى الحسين لتطاولَه وتُمَنِّيه وتكونَ له عندي شافعًا، فانظرْ فإنْ نزلَ هو وأصحابُه على حُكمي؛ فابْعَثْ بهم إليَّ سِلْمًا، وإنْ أَبَوْا فازحَفْ إليهم، واقْتُلْهم، ومَثِّلْ بهم، فإنْ قُتل الحسين؛ فأوطئ الخيلَ صدرَه وظهرَه، وإن أبيتَ فسلِّم العسكر إلى شَمِر، فقد أمرناه فيك بأمر، والسلام (٦).


(١) أنساب الأشراف ٢/ ٤٨٢، وتاريخ الطبري ٥/ ٤١٤.
(٢) تصغير نخلة؛ موضع قرب الكوفة. "معجم البلدان" ٥/ ٢٧٨.
(٣) طبقات ابن سعد ٦/ ٤٣٦. وينظر "أنساب الأشراف" ٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩.
(٤) طبقات ابن سعد ٦/ ٤٣٦. وفي "أنساب الأشراف" ٢/ ٤٧٩ أنه بعث حصين بن تميم في أربعة آلاف. وينظر ما سلف أول الفقرة.
(٥) ينظر "طبقات ابن سعد" ٦/ ٤٣٦. وجاء في حاشية الأصل (خ) كلام بخط الناسخ مخير مظهّر بتمامه، أوله: لعنة الله على ابن زياد الآمر بهذا الأمر ..
(٦) تاريخ الطبري ٥/ ٤١٤ - ٤١٥.