للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الحق، ونحن وهؤلاء مختلفون، لأنهم يدعُوننا إلى الجهاد مع ابن الزبير لو ظهروا، ونحن لا نرى ذلك إلا ضلالًا، وإن نحن ظهرنا رَدَدْنا هذا الأمر إلى أهله، فإن أُصِبْنا فعلى نيَّاتنا، تائبين من ذنوبنا، إنَّ لنا شكلًا ولابن الزبير شكلًا، ونحن وإياه كما قال القائل:

أرى لكِ شَكْلًا غيرَ شكلي فأقْصِرِي … عن اللَّوم إذْ بُدِّلْتِ واختلفَ الشَّكْلُ

ثم كتبوا جواب الخَطْمي:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، للأمير عبد الله بن يزيد، من سليمان بن صُرَد ومن معه من المؤمنين، سلامٌ عليك، أما بعد، فقد أتانا كتابُك، وعلمنا ما ذكرتَ، فنِعْمَ -واللهِ- الوالي، ونِعْمَ الأميرُ، ونِعْمَ أخو العشيرة، أنتَ -واللهِ- مَنْ نأمنُه بالغيب، ونستنصحه في المشورة، ونشكره على كلّ حال، وقد سمعنا الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ١١١ - ١١٢﴾، إنَّ القوم قد استبشروا ببيعتهم التي بايعوه، وتابوا من عظيم ذنبهم، وتوجَّهوا إلى الله، وتوكلوا عليه، ورضُوا بما قضى الله لهم ﴿رَبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ والسلام عليك.

ولما قرأ الكتاب قال: استمات القوم، واللهِ ليُقتَلُنَّ كرامًا مسلمين، ولا يُقتلون حتى يكثر القتل بينهم (١).

وساروا، فنزلوا هِيت، ثم ساروا فنزلوا قريبًا من قَرْقِيسيا، وبها زُفَرْ بن الحارث الكلابي قد تحصَّنَ بها، ولم يخرج إليهم، فبعثَ سليمان بن صُرَد المسيِّبَ بنَ نَجَبَة وقال له: ائتِ ابنَ عمِّك هذا، فقل له فليُخْرجْ لنا سُوقًا، فإنَّا لسنا إيَّاه نريد، وإنَّما قصدنا هؤلاء المُحِلِّين.

فجاء المسيِّب إلى باب الحصن، فقال: افتحوا، ممَّن تتحصَّنُون؟ فقال له هُذَيل بنُ زُفَر: مَنْ أنت؟ فقال: أنا المسيِّب بن نَجَبَة. فمضَى الهُذَيل إلى أبيه، فقال له: قد جاء إلى الباب المسيِّب، فقال زُفَر: هذا فارس مُضَر الحمراء كلِّها، وهو رجل ناسك له دين. [ائذنْ له].


(١) ينظر "تاريخ الطبري" ٥/ ٥٩٠ - ٥٩٣. وما سيرد بين حاصرتين منه.