فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رسوله، فخرج إليهم، فوعظهم فلم يلتفتوا، وسَبُّوه وحملوا عليه، وقتلوا يزيد بنَ أبي زياد صاحب راية مُطرّف ومُعظمَ أصحابه، وحمل مطرف فغاص بينهم، وقاتل [قتالًا عظيمًا] حتى قتل، فنزل عمر بن هُبَيرة فاحتزَّ رأسَه، وبعثوا به إلى الحجّاج.

[السنة الثامنة والسبعون [من الهجرة النبوية]]

وفيها فرغ الحجاج من بناء واسط (1)، وإنما سمّاها واسطًا لأنها بين المِصرَيْن الكوفة والبصرة، منها إلى الكوفة خمسون فرسخًا، وإلى البصرة كذلك. قالوا: وأنفق على بنائها خراج العراق خمس سنين، وبنى بها قُبَّةً ضاهى بها إيوان كسرى، وقصرًا عظيمًا، فهدمها الله لظلم الحجاج، وأبقى الإيوان لعدل كسرى، ونقل إليها وجوه الناس من المِصرَين والشام والجزيرة وخراسان.

وحكى العُتْبي، عن جامع المحاربي -وكان خطيبًا لبيبًا جريئًا على السلطان- أنه دخل على الحجاج فقال له (2): ما تقول في هذه البلدة والقصر؟ قال: بنيتهما في غير بلدك، وتُورثهما غير ولدك (3).

وكان جامع يوم دَيْر الجَماحِم والمصاف قائم (4)، وهو إلى جانب الحجاج، فقال: يا جامع، أشكو إليك سُوءَ طاعةِ أهل العراق، وقبحَ مذهبهم، فقال له: لو أحبُّوك لأطاعوك، على أنهم ما شَنؤوك لنَسَبك، ولا لذات نفسك، فدع ما يُبعدهم عنك إلى ما يُقَرِّبهم إليك، والتمس العافية ممن هو دونك تُعطَها ممن هو فوقك، وليكن إيقاعُك بعد وعيدِك، ووَعيدُك بعد وَعْدِك، فقال الحجاج: ما أرى أن أردَّ بني اللَّكِيعَةِ إلى طاعتي إلا بالسيف، فقال جامع: إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخِيار، فقال: الخيار يومئذٍ لله، قال جامع: أجل، ولكنك لا تدري لمن يَجعله، فغضب الحجاج وقال: يا هَناه، إنك من مُحارب، فقال جامع: [من الطويل]


(1) ذكر الطبري أن ذلك كان في سنة ثلاث وثمانين، انظر تاريخه 6/ 383.
(2) في (أ) و (ب) و (خ) و (د): وقال الحجاج لجامع المحاربي، والمثبت من (ص) و (م) و"العقد الفريد" 2/ 179.
(3) في (ص) و (م) زيادة: وكان جامع جريئًا على الحجاج، وله معه قصة عجيبة وسنذكرها. اهـ. قلت: والقصة التالية ليست في النسختين.
(4) كذا؟ !

<<  <  ج: ص:  >  >>