للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فسكت، فقال: أقسمت عليك، أو عَزمت عليك أَلا صَدَقْتَني، قال: تُكَثِر الرد، وتُشير باليَد، وتقول: أما بعد، فقال له الحجاج: فأنت ما تَستعينُ بيدك في كلامك؟ قال: لا أَصِلُ كلامي بيدي حتى يَضيقَ بي لَحْدي، قال: فأخبرنن عن أشعر بيت قالته العرب، قال: قول القائل: [من الطويل]

فما حَملتْ من ناقةٍ فوق رَحْلِها … أبَرَّ وأوْفى ذِمَّة من مُحَمَّدِ (١)

وقال المفضّل بن محمد: خرج ابن القِرِّيَّة مع ابن الأشعث، فلما كان بعد الجماجم وسار الحجاج إلى البصرة؛ استخلف على الكوفة حَوْشَب بن يزيد، فكان أيوب يَدخل على حَوْشَب فيَقفُ على رأسه، فيقول حوشب: انظروا إلى هذا الواقف، غدًا يأتي كتابُ الحجاج يَطلبه فلا أقدِر على منعه، فبينا هو واقف إذ جاء كتاب الحجاج إلى حوشب يقول: قد صِرتَ كهفًا لمنافقي أهل العراق، فابعث بابن القِوّية إليّ مَشْدودةً يده إلى عنقه، فرمى حَوْشب بالكتاب إلى أيوب فقال: سمعًا وطاعة، وحمله إليه.

فلما دخل على الحجاج قال له: ما أعددْتَ لهذا الموقف؟ قال: أصلح الله الأمير، ثلاثة حروف كأنهنّ رَكْبٌ وقوف، دنيا وآخرة ومعروف، قال: أخرج مما قلت، قال: أما الدنيا فمالٌ حاضر يأكل منه البَرُّ والفاجر، وأما الآخرة فميزانٌ عادل، وشهادةٌ ليس فيها باطل، وأما المعروف فإن كان عليَّ اعترفتُ، وإن كان لي اغترفتُ، قال: الآن تعترف إذا وقع عليك السيف (٢)، قال: فأقِلْني عَثْرتي؛ فإنه ليس جَوادٌ إلا وله كَبْوَة، ولا شُجاعٌ إلا وله هَفْوة، فقال الحجاج: لأُزِيرَنَّك جهنّم، قال: فأرِحْني فإني أجد حَرَّها، فضرب عُنقه، فلما رآه يَتَشحَّط في دمه ندم على قتله وقال: لو تركناه لسمعنا كلامه (٣)، [وفي رواية أن أيوب قال: استَبْقِني أكن لك كما كنتُ عليك، فقال الحجاج: هيهات هيهات، ثم طعنه بالحربة فقتله.


(١) البيت لأنس بن زُنَيم، انظر "سيرة ابن هشام" ٢/ ٤٢٤.
(٢) في (ص): وقيل بعد هذا إن الحجاج قال له اعترف، وإن لم تعترف أوقع عليك السيف.
(٣) "تاريخ الطبري" ٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦، و"المنتظم" ٦/ ٣٥٦. وما سيرد بين معكوفين من (ص).