فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونطلبه أيضًا من التاريخ فإنَّ علماء السِّير لا يختلفون أنَّ أوَّل ولد إبراهيم إسماعيل وأنه حمله صغيرًا مع أمِّه إلى مكَّة، وأنه غاب ععْه مدة بحيث تزوَّج امرأتين، وأنَّ إبراهيم جاءه وهو ابن ثلاثين سنة ولإبراهيم مئة سنة؟ واتفقوا أيضًا على أنَّ هاجر ماتت بمكة ولها تسعون سنة، واتفقوا أيضًا على أن الملائكة بشَّرت سارة بالولد وقد أتى عليها تسعون سنة، وأتت على إبراهيم مئة وعشرون سنة، وأنَّ إبراهيم لما بشَّروه بالولد قال: هو لله ذبيح. واتفقوا على أنَّ سارة لم تدخل الحجاز، وأنَّ إسماعيل لم يدخل الشام؛ وقال جدِّي في "التبصرة": والأصحّ أنَّ الذَّبيح إسحاق (1). فبان بما ذكرنا من الترجيح أن الذبيح إسحاق.

واختلف العلماء في مَنْ نذر أن يذبح ولده أو ينحره؛

فقال أبو حنيفة وأحمد ومحمد: يصحُّ نذره ويلزمه ذبح شاة ويخرج عن العهدة استحسانًا. والقياس أن لا يصح، وبه قال أبو يوسف وزفر ومالك والشافعي، وجه قولهم أنَّ النذر بهذه الأشياء ليس بقربة ولا طاعة، وصار كما لو قال: لله عليَّ أن أقتلَ ولدي أو أذبحَ والدي أو جدِّي أو عمِّي أو خالي أو عبدي. ولنا قصَّة الخليل عليه السلام، فإنَّه نذر أن يذبح ولده ففدي بكبش ولنا به أسوة.

وقولهم ليس بقربة، قلنا: نفس النذر ليس بقربة، لكنَّ النذر يوجب ذبح شاة، والذبح قربة بخلاف ما ذكروا من الأحكام، فإنَّ النَّذر بها لا قربة فيه، غلى أنَّ لأصحابنا فيه منعًا. وأمَّا العبد فيصحُّ عند محمد لأنه مال، والمال محبوب، وعند أبي حنيفة إنما لا يصحُّ لأنَّ النصَّ ورد في الولد، والعبد ليس في معناه.

قصة (2) الخليل - عليه السلام - مع العابد

روى وهب بن منبِّه قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا قال: يا ربِّ، أرني وليًّا من أوليائك، فأوحى الله تعالى إليه: اطلبه على ساحل البحر، فنزل يمشي على السَّاحل وإذا بكهلٍ قائم يصلي، فلمَّا رآه أوجز في صلاته، فسلَّم عليه إبراهيم وقال: سلامٌ


(1) "التبصرة" 1/ 136.
(2) من هنا وقع سقط في "ب" ينتهي في التالية.

<<  <  ج: ص:  >  >>