للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال الشعبيّ: ما بَكَيتُ من زمان إلا وبَكَيتُ عليه (١).

ودخل [الشعبيّ] الحمَّامَ، فرأى فيه داودَ الأوْدِيّ بغير مئزر (٢)، فغمَّضَ الشعبي عينيه، فقال له داود: متى أعمى اللهُ بصرَك؟ فقال الشعبي: منذ هتك الله سترك (٣).

[وحكى الخطيب عن أشياخه قالوا. كان فتًى يُجالس الشعبيَّ ويُطيل الصمت، وكان الشعبيُّ يُعجب به، فقال الفتى يومًا: يا عامر، إني أجد في قفاي حكَّة (٤)، أفترى أني أحتجم؟ فقال الشعبيّ: الحمد لله الذي حوَّلَنا من الفقه إلى الحجامة.

وروى الخطيب بإسناده عن داود بن أبي هند (عن الشعبيّ) (٥) قال: صاد رجلٌ قُنْبَرَة (٦)، فقالت: ما تريدُ أن تصنع بي؟ قال: أذبحُكِ وآكلُكِ. فقالت: ما أشفي من وَقَرَم، ولا أُغني من جوع، ولكني أعلِّمك ثلاث خِصال هي خيرٌ لك من أكلي. أمَّا الواحدة أعلّمك إياها وأنا في يدك، والثانية إذا صِرْتُ على الشجرة، والثالثة إذا صِرْتُ على الجبل. قال: نعم. فقالت وهي في يده: لا تَلَهَّفَنَّ على ما فاتك. فخلَّى عنها، فلمَّا صارت على الشجرة (قال: هاتِ الثانية) قالت: لا تُصدِّقَنَّ بما لا يكون أنه يكون. فلمَّا صارت على الجبل قالت: يا شقيّ، لو ذبحتني لوجدتَ في حَوْصَلتي دُرَّة وزنها عشرون مثقالًا. قال: فعضَّ على شفتيه وتلهَّف، ثم قال: هات الثالثة. قالت: قد نسيتَ الثِّنْتَين، فكيف أعلَّمك الثالثة؟! قال: وكيف؟ قالت: ألم أقل لك: لا تَلَهَّفَنَّ على ما فات؟ وقد


(١) المصدر السابق ص ٢٢٥. وذكره ابن قتيبة في "معاني الأخبار" ٢/ ٤ على أنه على معنى قول نهار بن تَوْسِعة:
عَتِبْتُ على سَلْمٍ فلما فَقَدْتُهُ … وجَرَّبْتُ أقوامًا بكَيتُ على سَلْمِ
ومن قوله: وهو يقرض الشعر، وقيل له: يا أبا عمرو كم أتي عليك من السنين ص ٣٨١ … إلى هذا الوضع، ليس في (ص).
(٢) في (ص): إزار. ولفظة "الشعي" السالفة ببن حاصرتين منها.
(٣) تاريخ دمشق ص ٢٣٤. وداود الأوْدي هو ابن يزيد بن عبد الرحمن، وهو ضعيف. ينظر "تهذيب الكمال" ٨/ ٤٦٧.
(٤) في (ص) (والخبر منها): حجة. والمثبت من "العقد الفريد" ٣/ ١٠، والخبر فيه. ولم أقف عليه عند الخطيب البغدادي.
(٥) قوله: عن الشعبيّ (بين قوسين عاديين) لابدّ منه، وهو في "العقد الفريد" ٣/ ٦٨. ولم أقف على الخبر عند الخطيب البغدادي.
(٦) القُنْبَرَة (بفتح الباء كما نبَّه عليه الفيروزآبادي) أو القُبَّرة: ضرب من الطير.