للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

على عادته إلى الجبِّ فلم يجده، فأخبر إخوته فجاؤوا فرأوه عند مالك بن دعر فقالوا: هذا عبد لنا أَبَق. وكتم يوسف شأنه خوفًا من إخوته أن يقتلوه، فاعترف بأنه عبدهم، وكانوا أهل شرٍّ ومنعة (١).

فإن قيل: فالعبودية هوانٌ عظيم، ويوسف "الكريم بن الكريم بن الكريم … " الحديث (٢)، فالجواب من وجوهٍ:

أحدها: لأنَّه خرج ليلعب واللعب لا يليق بمثله. وقال أبو حنيفة عبد الوهاب بن النوبي: لم يضحكْ يوسف في مدة البلاء إلَّا ثلاث مرات، حين وقع في البئر قال: من لعب في خدمة مولاه فغيابة الجب مأواه، وحين قُيِّد قال: من لم يخدم مولاه عظُمت بلواه، وحين نودي عليه بالبيع قال: من لم يرض بمولاه تملكه مولًى سواه. وهذا الضحك منه على وجه التعجب لا على وجه الفرح.

قال: والوجه الثَّاني: فلأنه نظر يومًا في المرآة فأعجبته نفسه، فقال: لو كنت عبدًا لكان ثمني عظيمًا فبيعَ بأَوكس ثمن.

والثالث: ليرحم العبيد إذا ملك، وكذا ابتلاه بالسجن ليرحم المسجونين.

والرابع: لأنَّه جرى في السابق أنَّه يصير ملكًا فراضَه الله بالعبودية.

وقال أبو حنيفة بن النُّوبي: إن الله ابتلى يوسف بعشرة أشياء وعوَّضه بعشرة: ابتلاه بفراق أبيه وعوَّضه بلقائه، وابتلاه بجفاء إخوته ثم عوَّضه سجودهم له، وابتلاه بالجبِّ وأكرمه بمؤانسة جبريل، وابتلاه بالعبودية وعوضه عبودية أهل مصر، وابتلاه بزليخا وعوَّضه بالشاهد، وابتلاه بالنسوة وعوَّضه بتصديقهن ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] وابتلاه بالهَمَّةِ وعوضه بالعصمة، وابتلاه بالسجن وعوَّضه المُلْك، وابتلاه بالكذب عليه وعوَّضه بالاعتراف ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١] وابتلاه بفرعون ثم أطاعه له حتَّى صار على خزائن الأرض.

قال السُّدي: فلما اعترف يوسف لإخوته بالرِّق قال مالك بن دُعر: أنا أشتريه


(١) انظر "عرائس المجالس" ص ١١٨ - ١١٩.
(٢) تقدم تخريجه في أول قصة يوسف.