فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا تشعرون.

فإن قيل: فلم خصَّ يعقوبُ الذئبَ دون سائر الوحوش؟ فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن تلك الأرض كانت كثيرة الذئاب.

والثاني: لأنَّ يعقوب رأى في منامه كأن الذئب شدَّ على يوسف وكان يحذره. وقال مقاتل: كان ذلك من باب معجزات يعقوب، فكأنه يقول: كأني بكم قد جئتم غدًا وقلتم أكله الذئب. فإن قيل: فذكْره الذئب تلقينٌ لهم، وكانوا لا يدرون، فقد عرَّفهم العلَّة، قلنا: بل هو تنبيه على ما في نفوسهم وإعلام لهم بما قد عزموا عليه.

{قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} عشرة رجال {إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} [يوسف: 14] أي: ضَعَفَةٌ عَجَزة مغبونون. وقال أبو عبيد: في الكلام محذوف وتقديره: لئن أكله الذئب الذي رأيته في منامك إنَّا إذن لخاسرون، فأرسله معهم.

[ذكر خروجه معهم]

قال الله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا} أي: عزموا على {أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَينَا إِلَيهِ} أي: ناديناه. فإن قيل: ما بعث الله نبيًّا إلَّا بعد الأربعين، فكيف قال: وأوحينا إليه؟ فالجواب: أنَّ الوحي عبارة عن الإلهام {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] فألهمه الله لتصدُقنَّ رؤياك ولتخبرنَّ إخوتك بصنيعهم إذا دخلوا عليك وأنت ملك مصر {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف: 15] ومعنى "لتنبِّئنَّهم" أي: لتخبرنهم في المستقبل، وهذا معنى قول ابن عباس. وقال مقاتل: معناه وهم لا يشعرون أنك يوسف، لما نذكر في آخر القصة.

وحكى السُّديُّ عن ابن عباس قال: لما خرج معهم يوسف أظهروا له الكرامة أولًا، فلما أصحروا أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، وجعلوا يضربونه، وكلما لجأ إلى واحدٍ ضربه، فكادوا يقتلونه، وجعل يصيح: يا أبتاه، لو ترى ما يَصنَعُ بابنكَ بنو الإماء لعزَّ عليك. ومعنى قوله: بنو الإماء لأنَّ بعضهم كان من الأَمَتين اللتين وهبتهما ليَّا ليعقوب. فأخذه روبيل فضرب به إلى الأرض، ويوسف يبكي ويقول: يا أبة، ما أسرع ما نسوا عهدك وضيَّعوا وصيتك. فجثم روبيل على صدره ليذبحه فزجره يهوذا وقال:

<<  <  ج: ص:  >  >>