للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وسار إليه عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفًا، وحُميد بن قَحطبة على مُقدّمته في ثلاثة آلاف، وودَّعهم أبو جعفر إلى بعض الطريق، وعاد إلى البصرة في نفر يسير.

وقال أوس بن مهلهل: لما سار إبراهيم من البصرة سبق أصحابه يرتاد لهم منزلًا، فسمعته يقول: [من الوافر]

أمورٌ لو تدبَّرها حَليمٌ … إذًا لنهى وهَيَّب ما استطاعا

ومَعصيةُ الشَّفيقِ عليك مِمّا … يَزيدك مرّةً منه استماعا

وخيرُ الأمر ما استعجلْتَ منه … وليس بأن تَتَبَّعَه اتِّباعا

ولكنَّ الأديمَ إذا تَفرَّى بِلًى … وتَعَيُّنًا غلب الصَّناعا

فعلمت أنَّه ندم على مسيره (١).

ولما توسط إبراهيم المنازل قال له عبد الواحد بن زياد (٢) بن لبيد: إن هذه بلاد قومي وأنا أعرف النَّاس بها، فلا تقصد قصْد عيسى، ولكن دعني أسلك بك طريقًا لا يشعر بك أبو جعفر إلَّا وأنت بالكوفة معه، قال: لا، فقيل له: إنك غير ظاهر على هذا الأمر حتَّى تأخذ الكوفة، فإذا أخذتَها هرب إلى حُلوان فسرتَ إليها، فلم يقبل.

ولما نزل باخمرى قيل له: خَنْدِقْ عليك، فقال أصحابه: نحن في مئة أَلْف لا يُخندق علينا، وقيل له: كَرْدِس أصحابَك كراديس فإن الصف ينتقض، وكلما انهزم كردوس لقي آخر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] (٣).

وقال له المضاء لما نزلوا باخَمرى: إن هؤلاء القوم مُصَبِّحوك غدًا بما يَسدُّ عين الشَّمس من السلاح، وأصحابك عراة، فدعني أُبيِّتهم وأُشَتِّت جموعهم، فقال: إنِّي أكره البَيات والقَتْل، فقال له المضاء: تكره القتل وتطلب الملك.

وقال عيسى بن موسى: لما فَصلتُ عن أبي جعفر قال لي: إن هؤلاء الخُبثاء -يعني المنجِّمين- يزعمون أنك مُلاقي إبراهيم، وتكون لك جولة، ثم تظفر وتفيء إليك أصحابك.


(١) تاريخ الطبري ٧/ ٦٤٣، والأبيات للقطامي وهي في ديوانه ٣٤ - ٣٥.
(٢) في (ب) و (خ): يزيد، والمثبت من الطبري ٧/ ٦٤٣.
(٣) في الطبري ٧/ ٦٤٤ أن قائل ذلك أصحاب إبراهيم لا هو.