فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

داودُ بن نُصير الطائي، أبو سليمان

ذكره ابنُ سعد (1) في الطبقة الخامسةِ من أهل الكوفة، وقال: داودُ بن نصير الطائي، ويُكنَى أبا سليمان، وكات قد سمع الحديثَ وتففه، وعرف النحوَ وأيامَ الناس وأمورَهم، ثم تعبَّد، فلم يكن يتكلَّم في شيءٍ من ذلك. قال: وكان له جليسٌ يذاكره في الحديث، فقال له: لا تذاكرني في شيءٍ من ذلك أبدًا.

وروى ابنُ سعدٍ عن الفضل بن دُكَين قال: كنتُ إذا رأيت داودَ الطائيَّ لا يُشبه القرَّاء، عليه قَلَنسُوة طويلةٌ مما يلبَس التجار، وجلس في بيته عشرين سنةً أو أقلَّ حتى مات، وحضرتُ جنازتَه مما رأيتها من كثرة الخَلْق. مات سنةَ خمسٍ وستِّين ومئةٍ في خلافة المهدي.

وهذا قولُ ابن سعد، واتفقت الأئمَّة عليه، فقالوا: كان كبيرَ الشأن في العلم والورعِ والزُّهد والعبادة. وسمع الحديثَ الكثير وتفقَّه على أبي حنيفة، وعرف أيامَ الناس، وكان مكمَّلًا في حاله.

وقال الهيثم: جاءت امرأةٌ إلى حلقة أبي حنيفةَ وداودُ جالس، فسألت مسألةً في الحيض، فأَجابها داود، فقالت: يا داود، هذا العلمُ فأين العملُ به؟ فوقع كلامُها في قلبه فاعتزل.

والقولُ الثاني: حديثُ المرأةِ التي اجتاز بها في المقابر، فقال ابنُ عائشة: مرَّ داود الطائيُّ بمَقْبُرة، فسمع امرأةً وهي تقول: يا حبيبي، ليت شعري بأيّ خدَّيك بدأ البِلى، باليمنى أو باليسرى؟ قال: فصَعِق.

وقرأتُ على شيخنا الموفَّقِ من كتاب "التوَّابين" (2) عن الحِمَّاني قال: مرَّ داود بمقبرة على امرأةٍ تبكي وتقول، وذكره ثم قال: إنَّها أنشدت: [من الطويل]

مقيمًا (3) إلى أن يبعثَ اللهُ خَلْقَه ... لقاؤك لا يُرجَى وأنت قريبُ


(1) في طبقاته 8/ 487.
(2) ص 225 - 226.
(3) في التوابين: مقيم.

<<  <  ج: ص:  >  >>