للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ذلك اليوم.

وكان أحدَ الأئمَّة في القراءة والنحو والعربية، واستوطن بغداد، وكان يعلِّم الرشيد، وبعده الأمينَ والمأمون، وكان إمامًا في كلِّ فنّ.

وقال أبو حاتم السِّجستاني: قدم علينا عامل من أهل الكوفةِ لم أرَ في عمَّال السلطانِ بالبصرة أَبَرعَ منه، فدخلتُ مسلِّمًا عليه، فقال: يا سِجِستاني، مَن علماؤكم بالبصرة؟ قلت: الزِّيادي أعلمُنا بعلم الأَصمعي، والمازنيُّ أعلمنا بالنَّحو، وهلالٌ أفقهنا، والشَّاذَكوني أعلمُنا بالحديث، وأنا (١) -رحمك الله- أُنسَب إلى علم القرآن، وابن الكلبي من أكْتَبنا للشروط.

فقال لكاتبه: إذا كان غدٌ (٢) فاجمعهم لي، فجمعنا، فقال: أيُّكم المازني؟ قال أبو عثمان: ها أنا ذا يرحمكَ الله، قال: هل يُجزئُ في كفَّارة الظِّهار عتقُ عبدٍ أَعور؟ فقال المازنيّ: لست بصاحب فقهٍ أنا صاحبُ عربية، فقال: يا زياديّ، كيف تكتب بين رجل وامرأةٍ خالعها زوجُها على الثُّلث من صَداقها؟ فقال: ليس هذا من علمي، هذا من علم هلال، فقال: يا هلال، كم أسند ابن عَون عن الحسن؟ قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم الشاذكوني، قال: يا شاذكوني، مَن قرأ: ﴿ألا إنهم تَثْنَوْني صدورهم﴾ (٣)؟ [هود: ٥]. قال: ليس هذا من علمي، هذا من علمِ أبي حاتم، قال: يا أبا حاتم، كيف تكتب كتابًا إلى أميرِ المؤمنين تصف فيه خَصاصةَ أهلِ البصرة وما أَصابهم في الثَّمرة من الجَوائح، وتسأله النَّظِرةَ لهم؟ فقال: لستُ صاحبَ بلاغةٍ وكتابة، أنا صاحبُ قرآن، قال: وما أقبحَ بالرَّجل يتعاطى العلمَ خمسين سنةً لا يعرف إلَّا فنًّا واحدًا، حتى إذا سئل عن غيرِه لم يَجُلْ فيه ولم يَحر، لكنَّ عالمنا الكسائيَّ بالكوفة لو سُئل عن كلِّ هذا لَأَجاب.

وقال الفرَّاء: لقيت الكسائيَّ يومًا، فرأيتُه كالباكي، فقلت: ما الذي بك؟ فقال:


(١) في (خ): وأنت، والمثبت من تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٠، وعنه المنتظم ٩/ ١٧١.
(٢) في (خ): غدًا.
(٣) قرأ بها ابن عباس -بخلاف- ومجاهد ونصر بن عاصم وغيرهم. انظر القراءات الشاذة ص ٥٩، والمحتسب ١/ ٣١٨.