للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال: فخرجتُ فنزعت قيودَه وأدخلتُه، فسلَّم عليه بالخلافة، فما هو إلا أن رآه حتَّى رأيت ماءَ الحياة يجول في وجه أميرِ المؤمنين، وردَّ عليه ردًّا حميلًا، ورحِّب به وأَدناه وأمره بالجلوس، وسأله عن حاله وقال: بلغنا عنك فضلٌ وهيبة، وأمورٌ أحببنا معها أن نراك ونسمعَ كلامَك ونُحسنَ إليك، فاذكر حاجتَك، فأجاب جوابًا جميلًا، وشكر شكرًا كثيرًا، وقال: حاجتي أن تردَّني إلى أهلي وولدي وبلدي، فقال: نفعل ذلك، ولكن سَلْ ما تحتاج إليه من مصالح جاهِك ومعاشك، فقال: عمَّال أمير المؤمنين عادلون منصفون، وقد استغنيت بعدله عن سؤالي غيرَ ذلك، وأموري منتظمة، وأحوالي مستقيمة، وأنا وأهلي وولدي إنما نعيش في ظلِّ أميرِ المؤمنين، فأمر له بمال، فقال: أَوَ يعفيني أميرُ المؤمنين؛ فإنِّي عنه في غنًى، فقال: يا منارة، سِرْ به مكرَّمًا إلى بلده كما أتيتَ به، فإذا أوصلتَه إلى المجلس الَّذي أخذتَه منه، فدعْه وارجع، فقلت: سمعًا وطاعة، وفعلت ذلك.

ذِكر مقامات العلماءِ بين يديه:

[قد ذكرنا اجتماعَه بالفُضَيل بن عياض، وكان الفضيلُ يدعو له ويقول: لو كانت لي دعوةٌ مستجابة لادَّخرتها له أو للإِمام] (١).

وقال عبدُ الرَّزاق بن همَّامٍ الصَّنْعاني (٢): كنا يومًا عند الفضيل، فمرَّ هارونُ في الطَّواف، فقال الفضيل: الناسُ يكرهون هذا وما في الدنيا أعزُّ عليَّ منه، وددتُ أنَّ اللهَ زاد من عُمري في عمره، فشقَّ ذلك على أصحاب الفضيل؛ لم يتجاسروا أن ينطقوا بكلمة، فلمَّا مات هارونُ، وظهرت الفتنُ بعده، والقولُ بخلق القرآنِ، وحملُ المأمون الناسَ على ذلك، قالوا: كان الفضيلُ أعلمَ بما يَحدُث بعده.

[مقام لمنصور بن عمار:

حكى الفضْل بن الربيع قال: دخل عليه منصور فأدناه، حتَّى ألزق رُكبتيه بركبتيه، فقال له منصور: لَتَواضُعك في شَرَفك أحبُّ إلينا وأحسن من شرفك، فقال: يا أبا


(١) ما بين حاصرتين من (ب).
(٢) في (ب): وروى ابن عن عبد الرزاق الصنعاني، والمثبت من (خ)، والخبر أخرجه الخطيب في تاريخه ١٦/ ١٧ عن ابن الفضل بإسناده إلى عبد الرزاق، وجمع المصنف أو المختصر هنا بين خبرين ذكرهما الخطيب متتابعين.