فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منازلهم بالسماوة، بين الشام والعراق، وكانت عمائرَ متصلةً، ومياهًا جاريةً، وبساتين مئمرة، وقد ذكرها الزبير بن بكار فقال: حدُّ السماوة من أطراف الشام إلى الحجاز والعراق إلى قنَّسرين وخناصرة إلى بلاد سورية ودِمشق وهي اليوم مفاوز وقفار. وكانوا في عيش ونعمة، فبعث الله إليهم شعيب بن ذي مهدم، فقتلوه، فأوحى الله إلى بعض أنبياء بني إسرائيل أن يأمر بعض الملوك بغزوهم، وقال له: تغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فغزاهم. ويقال: إنما غزاهم بخت نصر، ويقال: إنه صاح بهم صائح من السماء فماتوا، وهم الذين عنى الله تعالى بقوله: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} [الأنبياء: 12] في قول مقاتل.

[ومن الحوادث التي كانت في أيام شعيب عليه السلام]

منوجهر - بالجيم - وهو ابن أمان (1) بن إيرج بن أفريدون - الذي ذكرناه فيما تقدم - وبعث موسى وكان قد مضى في ملكه ستون سنة، وعاش في الملك ستين سنة أخرى، وكان عادلًا سمحًا جوادًا محسنًا. ويقال: هو أول من حفر الخنادق، ورتَّب آلات الحرب، وهو من أكابر ملوك الفرس، وكان مقيمًا بالمشرق يغازي الترك، والحدُّ الفاصل بينه وبين الترك جيحون. ولما مضى من ملكه خمس وثلاثون سنة، أغارت الترك على بلاده، وقطعت جيحون، فجمع الموابذة، والأساورة، وعظماء المملكة، وأجلس موبذان عن يمينه، وهو عالم العلماء، ثم لبس التاج وثياب الملك، ثم قام خطيبًا، وهو أول من خطب في الدنيا من الملوك (2).

[ذكر خطبته]

قال علماء السير: قام قائمًا على سريره فقاموا لقيامه، فقال: إنما قمتُ لأسمعكم فاقعدوا، فقعدوا، فحمد الله وأثنى عليه وقال بالفارسية كلامًا معناه: وإنما الناس ناس ما دفعوا العارَ عنهم والعدوَّ عن بلادهم، وقد نال العدوُّ من أطراف بلادكم، وليس ذلك إلا من ترككم جهادَهُمْ، وقلَّةِ مبالاتكم بهم، وإن الله إنما أعطانا هذا الملك


(1) في (ب) منوسهر الملك بن أمان وعند الطبري: منوشهر. انظر "تاريخ الطبري" 1/ 377.
(2) انظر "تاريخ الطبري" 1/ 379، و"المنتظم" 1/ 326 - 327.

<<  <  ج: ص:  >  >>