فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السَّنة الثالثة والتِّسعون بعد المئة

فيها وصل الرشيدُ إلى جُرْجان في صفر، وحُملت إليه أموالُ علي بن عيسى بنِ ماهانَ على ألف وخمسِ مئة جمل، وكان قد مرَّ في طريقه على شِعب بَوّان، وهو من عجائب الدُّنيا [وكان قد رأى بدمشقَ ديرَ مُرَّان، وكان] (1) على تل وحوله رياضُ الزَّعْفَران، والمياهُ تخترق البساتين، فأعجبه وقال: أربعة منازلَ ليس في الدنيا مثلُهن: دير مُرّان بدمشق، والرقَّة، وشِعبُ بَوّان، وسَمَرْقَند، وقد رأيتُ ثلاثة وبقي الرابع، وهي سمرقند، فلم يصلْ إليها.

ولمَّا نزل بطُوْس، بدأ به المرض، وكان قد اتَّهم هَرْثَمة برافع بن الليث، فوجَّه ابنَه المأمونَ قبل وفاتِه إلى مروَ بثلاثٍ وعشرين ليلة، ومعه جماعةٌ من القواد: عبدُ الله بن مالك، ويحيى بنُ معاذ، وأَسَد بن يزيدَ بنِ مزيدَ، والعباسُ بن جعفرِ بن محمد بن الأشعث، والسِّندي، وغيرُهم. وكان هارونُ ضعيفًا عن المسير، فساروا مع هرثمة، وقطعوا النَّهر، وجرت بينهم وبين رافع وقَعاتٌ ظهروا عليه فيها، وافتتحوا بخارى، وأَسروا بشيرَ بن الليث أخا رافع، وعاد رافعٌ إلى سمرقند، وبعث هرثمةُ ببشيرٍ إلى طوسَ وقد ثقل هارونُ في مرضه، فدخلوا به على هارونَ وهو على سريرٍ ينظر في المرآة ويقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثم قال لأخي رافع: يا ابنَ اللَّخْناء، إنّي لَأرجو ألا يفوتَني خامل -يعني رافعًا- كما لم تفتْني أنت، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد كنتُ لك حربًا، وقد أظفرك الله، فافعل ما يحب اللهُ أكن لك سِلمًا، ولعل اللهَ أن يلينَ لك قلبَ رافعٍ إذا علم أنَّك قد مننتَ عليَّ، فغضب هارونُ وقال: واللهِ لو لم يبقَ من أجلي إلَّا أن أحرِّكَ شفتي بكلمةٍ لَقلت: اقتلوه.

ثم دعا بقصَّاب فقال: لا تشحذْ مُدَاك، دعها على حالها، وفصِّل هذا الفاسقَ بنَ الفاسقِ أخا الفاسق، وعجِّل لا يحضرني أجلي وعضوٌ (2) من أعضائه في جسمه،


(1) ما بين حاصرتين من (ب).
(2) في تاريخ الطبري: وعضوان.

<<  <  ج: ص:  >  >>