فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السَّنة الرابعةُ بعد المئتين

فيها دخل المأمونُ بغدادَ لأربعَ عشرةَ خلت من صفرٍ يومَ السبت، وكان قد نزل النهروانَ يوم السبت، فأقام به ثمانيةَ أيام، وكان قد كتب إلى طاهر بن الحسين ليوافيَه بالنَّهروان، فوافاه.

وقال أحمد بنُ أبي خالدٍ الأحول كاتبُ المأمون: لمَّا قربنا من بغداد، قلت له: يا أميرَ المؤمنين، كيف يكون حالُنا إن هاج هائجٌ أو تحرَّك متحرِّك علينا والفتنُ قائمة ببغداد؟ ! فقال لي: صدقت، قلت: ما معنا سوى خمسين ألفَ درهم، فقال: الناسُ في بغدادَ على ثلاث طبقات، ظالم، ومظلوم، ولا ظالمٌ ولا مظلوم، فأما الظالم فيتوقَّع عفوَنا (1) وسكوتَنا عنه، والمظلوم يتوقَّع منا الإنصاف، وأما القسم الآخَر فيسعه بيتُه. فكان كما قال.

ودخل المأمون بغدادَ ولباسُه ولباس أصحابِه [وأقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم] الخُضرة، فنزل [المأمون] قصرَ الرصافة، وأمر طاهرًا فنزل الخيزُرانية، وأمر القوَّاد فنزلوا في عساكرهم، وكانوا يختلفون إلى قصره كلَّ يوم، وتحوَّل فنزل شاطئَ دجلةَ في قصره، ووافقه بنو هاشم وأهلُ بغدادَ بأسرهم فِي لباس الخُضرة، وكان أصحابه يخرقون كلَّ شيء يوونه من السَّواد على الناس.

ذِكر رمي المأمونِ الخضرةَ ولُبسِه السَّواد:

واختلفوا في سببه على أقوال:

أحدُها: أنَّ المأمونَ قال لطاهر: سَلْ حوائجك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أهمُّ حوائجي حفظُ هذا البيت، قال: نعم، وبمَ ذا؟ قال: بخلع هذه الخضرةِ وعودِك إلى شعار آبائك وأهلك، فقال: نعم.

والثاني أنَّ بني [هاشم من بني] العباسِ قالوا له: يا أميرَ المؤمنين، تركتَ لباسَ أهل بيتِك وزِيَّهم ولبست الخُضرة، ارجع إلى لباس أهلك.


(1) في (خ): عقوبتنا، والمثبت من المصادر، انظر تاريخ الطبري 8/ 575، والمنتظم 10/ 127، والكامل 6/ 358.

<<  <  ج: ص:  >  >>