فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[السنة الحادية والثلاثون بعد المئتين]

فيها كانت وقعةُ أهل المدينة مع بني سليم (1)، وقد ذكرنا أنَّ بُغا التركيّ لمَّا ظهر على بني سُلَيم حملهم إلى المدينة، وحبسَهم في دار يزيد بن معاوية، وكانوا نحو ألف رجل، وقيل: ألف وست مئة، أو ثلاث مئة، فأقاموا مقيَّدين، موكَّلٌ بهم حفظة، فنقبوا الدارَ ليخرجوا منها، فرأتهم امرأةٌ، فصاحت، فجاءَ أهلُ المدينة، فوجدوهم قد وثَبوا على الموكَّلِين، فقتلوا منهم رجلًا أو رجلين، وأخذوا سلاحهم، واجتمعَ عليهم أهل المدينة -وكان عليها يومئذٍ عبد الله بن أحمد بن داود الهاشمي- وكانوا وَثبوا عشيَّة الجمعة، فباتُوا محصورين، فلمَّا كان يوم السبت باكروا للقتال، وكان عُزيزة بن قطَّاب يحمل ويقول: [من الرجز]

لا بدَّ من زحمٍ وإنْ ضاقَ البابْ ... إنِّي أنا عُزيزة بن قطَّابْ

الموتُ خيرٌ للفتى من العابْ (2)

وكان قد فكَّ قيدَه من رجله، فقتل، وقُتِل بنو سليم بأسرهم، وقَتَلَ السودانُ من لقوا من الأعراب بأزقَّة المدينة ممَّن جاء يمتار ويزور.

وكان بغا لمَّا حجَّ في السنة الماضية خرجَ فأم بذي عرق، وأخذَ جماعةً من بني هلال من المفسدين، ورجع إلى مكَّة فاعتمرَ أول المحرم، ثمَّ انصرفَ إلى المدينة، فلمَّا قدمَها ووجدَ أهلَها قد قتلوا بني سليم شَقَّ عليه ووجد وجدًا عظيمًا، وكان البوَّابُ قد أخذَ منهم ألفَ دينار ليفتحَ لهم الباب، فعجَّلوا قبل ميعاده، وكانوا يرتجزون:

الموتُ خيرٌ للفتى من العار ... قد أخذَ البوَّابُ ألفَ دينار

وقيل: إنَّ عزيزةَ لم يقتلْ في المعركة، وإنما اختبأ في بئر، فدخلَ عليه رجلٌ من أهل المدينة فقتلَه فيها (3).


(1) لم يذكر في (ب) تفصيل الخبر، وذكر بعدها: وفيها قتل الواثق أحمد بن نصر الخزاعي، وسنذكره في موضعه.
(2) في (خ) و (ف): العذاب. والمثبت من تاريخ الطبري 9/ 133، والعيب والعاب بمعنى. وبعدها في تاريخ الطبري: هذا وربي عملٌ للبوَّاب.
(3) من قوله: وقد ذكرنا أن بغا التركي ... إلى هنا ليس في (ب).

<<  <  ج: ص:  >  >>