للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

السَّنة السَّابعة والستُّون بعد المئتين

فيها دخل الزَّنج واسِطًا، فقتلوا وأحرقوا، وبلغ الخبرَ الموفَّقُ وهو ببغداد، فجهَّز ابنَه أبا العبَّاس إلى الزَّنج في عشرة آلاف فارس في أحسن زيِّ وأكمل عُدَّة، ومن الرَّجَّالة ما لا يُحصى، ومعهم المعابرُ والسُّفن قد أُحكمت، فرحل أبو العبَّاس فنزل المدائن، وشيَّعه أبوه، ثمَّ رحل فنزل دَيرَ العاقُول، وكان قد قدَّم في السُّميريَّات والشَّذا نُصيرًا -المعروف بأبي حمزة- بين يديه، وأمره أن يكشف خبر قائد الزَّنج هو وسليمان بن جامع، وكان قد وافى في خيل ورجَّالة وسُميريات، وكذا الجبَّائي (١) وسليمان بن موسى، وأنَّهم قد أخذوا المضايق، ثمَّ عادوا فاجتمعوا، ونزل أوَّلهم بفم الصِّلْح وآخرُهم ببستان موسى بن بُغا أسفلَ واسِط.

فأرسل أبو العبَّاس طائفةً من عسكره، وتأخَّر بفم الصِّلْح، ثمَّ التقَوْا في الظَّهْر والسُّفُن، واقتتلوا، فمنح الله أبا العبَّاس أكتافَهم، فانهزموا لا يَلْوُون على شيء؛ وأبو العبَّاس في أكتافهم، حتَّى أدرك آخرَهم بقرية عبد الله، وهي ستَّة فراسخ كثيرًا (٢)، وكان ذلك أوَّلَ الفتح.

وأشار أصحاب أبي العبَّاس عليه بأن يعسكر بالصِّلْح؛ المكانِ الذي كانت الوَقْعة فيه، إشفاقًا عليه من الزَّنج، فقال: ما أنزل إلا واسِطًا، فنزلها.

واجتمع أصحاب الخبيث: سليمانُ بن موسى الشَّعرانيُّ، وعليُّ بن أبان، وسليمانُ بن جامع، وأداروا الرّأي، وقالوا: هذا فتًى حَدَثٌ، لم يُمارِس الحرب، والرَّأيُ أن نرميه بحدِّنا وحديدنا في أوَّل مرَّة؛ فلعلَّه أن يَرتدعَ فيرحلَ إلى موضع جاء منه، أو نَظفر به، فاجتمعوا وحشدوا.

ودخل أبو العبّاس واسطًا في أحسن زيٍّ، واستأمن إليه خلقٌ كثير، ثمَّ انحدر إلى العُمْر (٣) -وهو على فرسخ من واسط- فأقام به، ورتَّب غلمانه في السّفن يراوحونهم


(١) في (خ) و (ف): الحاني، وفي "الكامل" ٧/ ٣٣٨: الحياتي، والمثبت من "تاريخ الطبري" ٩/ ٥٥٨.
(٢) كذا، وانظر "تاريخ الطبري" ٩/ ٥٥٩.
(٣) في النسخ: القم. والمثبت من "تاريخ الطبري" ٩/ ٥٥٩.