للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يجد فيها شيئًا، ففَسَدت قلوبُهم.

وعَبَر الموفَّق إلى المدينة، ونادى في أصحاب بَهْبوذ بالأمان، فسارعوا إليه من كلِّ وجه، فأجازهم، وأحسن إليهم، ووصلَهم، ثمَّ زحف على المدينة فدخلها بعد قتالٍ جَهيد، وقصد الدَّارَ التي كان الخبيث اتَّخذها مسجدًا وسمَّاه الجامع، فقاتل أصحابُه دونَه قتالًا شديدًا لما كان يعظِّمه الخبيث، فقُتل عليه خلقٌ كثير منهم.

وبذل الموفَّق الأموال والأَطْوقَة والأَسْورة لمَن سارع إلى هدم كمار (١) الخبيث، وهدموا المسجد، وأتَوا بالمنبر إلى الموفَّق، فسُرَّ سرورًا عظيمًا، وعاد إلى مدينته وقد أنكى في الزَّنج نِكاية عظيمة، ونهب خزائنَ الخبيث، وأُحرقت عامَّة دُوره ودُور أصحابه، وأحرقوا الأسواق.

وظهر في ذلك اليوم للموفَّق تباشير الفتح، وبينا هو واقف إذ رماه غلامٌ روميٌّ -كان مع الخبيث، يقال له: قرطاس- بسهم، فأصابه في صدره، وذلك يوم الاثنين لخمسٍ بقين من جمادى الأولى، فستر الموفَّقُ ما ناله من السَّهم، وانصرف إلى الموفَّقيَّة، فعُوْلج في تلك اللَّيلة، ثمَّ باكر الحرب على ما به من ألم الجراح؛ ليشدَّ قلوب أوليائه، فزاد عليه الألم بسبب الحركة، وعَظُم أمره حتَّى خِيف عليه، واضطرب العسكر والرَّعيَّة، وخافوا قوَّة الخبيث عليهم، وأشار عليه أصحابه بالرَّحيل إلى بغداد، فأبى ذلك، وخاف أن يكون فيه ائتلافُ ما قد تفرَّق من شَمْل الخبيث، فأقام على مَضَض من الألم، ثمَّ منَّ الله عليه بالعافية، فظهر للنَّاس بعد احتجابه، فقويت نفوسُهم وتباشروا، وعادوا إلى ما كانوا عليه من حرب الخبيث.

ولما بلغ الخبيثَ حديثُ السَّهم [جعل] (٢) يَعِد أصحابه العِدَات، ويمنِّيهم الأماني الكاذبة، ويحلف على منبره أنَّ أبا أحمد قتله السَّهم، وما يُرى في السُّميريات والحروب مثالُه؛ ليموِّهوا على النَّاس بحياته.

وقال الصُّولي: أصاب الموفَّقَ سهمٌ في ثُنْدوَته (٣) اليسرى، فكادَ يَتْلَف، وتصدَّقت


(١) الكَمَر: اسم لكل بناء فيه العقد، كبناء الجسور والقناطر. "معجم الألفاظ الفارسية المعربّة" ص ١٣٧.
(٢) ما بين معكوفين من "تاريخ الطبري" ٩/ ٦٢٠ - ٦٢١.
(٣) الثندوة: اللحم الذي حول الثدي. اللسان: (ثند).