فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[السنة السادسة والثمانون بعد المئتين]

في ربيع الآخر منها نازل المعتضد آمِد (1)، وأناخ عليها بجنده، وبها محمَّد بن أحمد بن عيسى بن الشيخ، فأغلق أبوابَها، وعصى عليه، فنصب عليها المعتضد المجانيق، ونصب أيضًا محمَّد المجانيق على أسوارها، وأقام الحصار أربعين يومًا.

[قال الصُّولي: ] وكان مع المعتضد أعرابيٌّ يقال له: شُعْلَة بن شهاب من بني يَشْكُر، وكان فصيحًا [، وهو من خاصَّة المعتضد] , فقال له: اذهب إلى محمَّد بن عيسى برسالتي، وحذِّرْه العصيان، وخوِّفْه، ورغِّبْه في الطَّاعة، قال شعلة: فذهبتُ إلى محمَّد، فلاطفتُه ووعدتُه الإحسان, ورغَّبته في الطَّاعة فلم يُجِبْني، وكان له عمَّةٌ يقال لها: أمّ شريف، [قال: ] فأرسلتْ إليَّ فصرتُ إليها، فقالت: يا أبا شهاب، كَيف خلَّفْتَ أمير المؤمنين؟ فقلت: خلَّفتُه آمرًا بالمعروف، فاعلًا للخير، فقالت: هو والله أهل لذلك ومُستحقُّه، وكيف لا وهو ظلُّ الله الممدودُ على بلاده، وخليفتُه المؤتَمَن على عباده، فكيف رأيتَ صاحبنا؟ قلت: غلامًا حَدَثًا مُعْجَبًا، قد استحوذ عليه السُّفهاء، واستبدَّ بآرائهم، يُزَخْرفون له الكذب، ويسوقونه بالباطل، وسيوردونه النَّدم، فقالت: هل لك أن تلقاه بكتابي هذا قبل أن ترجع إلى أمير المؤمنين؟ قلت: نعم.

فكتبتْ إليه كتابًا لَطيفًا أجزلَتْ فيه الموعظة، وكتبت في آخره أبياتًا وهي: [من البسيط]

اقبَلْ نصيحةَ أمٍّ قلبُها وَجِعٌ ... خوفًا عليك وإشفاقًا وقُلْ سَدَدا

واستعملِ الفِكْرَ في قولي فإنَّك إنْ ... فكَّرتَ ألفَيتَ في قولي لكَ الرَّشَدا

ولا تَثِقْ برجالٍ في قلوبهمُ ... ضَغائن تَبعثُ الشنآنَ والحَسدَا

مثل النِّعاج خُمولًا في بيوتهمُ ... حتَّى إذا أمِنوا ألفيتَهم أُسُدا

وداوِ داءك والأدواءُ مُمْكنةٌ ... وإذ طبيبُكَ قد ألقى عليك يدا


(1) في (ف) و (م 1) ومروج الذهب 8/ 134: وفي شهر ربيع الأول نازل المعتضد آمد، والمثبت من (خ)، وتاريخ الطبري 10/ 70، والمنتظم 12/ 398، وتاريخ الإِسلام 6/ 657.

<<  <  ج: ص:  >  >>