للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولمَّا وَلي الخاقاني راسل شفيع ابنَ الفرات فيما يَبذله من المُصادرة عن نفسه؛ لئلَّا يُسلَّم إلى الخاقاني، وكان الخاقاني قد استتر أيام وزارة ابن الفرات خوفا منه، فقال ابن الفرات: أريد أمان المقتدر، وما عندي سوى مئة وستين ألف دينار، فأمر المقتدرُ بتسليم ابنِ الفرات وأولاده إلى الخاقاني، فحُملوا إليه، فسلَّمهم إلى رجل يُعرَف بأبي العباس بن بعد شَرّ (١)، فعذَّبهم حتى استصفى أموالهم، فبلغت ألفي ألف دينار.

وكان ابنُه المُحَسِّن قد استتر بالكَرْخ عند امرأة فغُمز عليه، فأخذه نازوك ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، فضُربت الدَّبادِبُ نصف الليل فَرَحا بأخذه، فارتاع الناسُ، وظنُّوا أنَّ القِرمطيَّ قد كبَس بغداد، وكان المحسن في زِيّ امرأةٍ قد خَضَب يديه ورجليه بالحِنَّاء، فسُلِّم إلى ابن بعد شر، فأوقع به مكروهًا، وأخذ خطَّه بثلاثة آلاف ألف دينار، ولم يقرَّ بشيءٍ، ولم يؤخذ منه درهم.

واتَّفق هارون بن غريب الخال، ومؤنس، ونصر الحاجب على قتل ابن الفرات وولدِه، وكاشفوا المقتدرَ فقال: دعوني أنظر. فقالوا: نخافُ أن يَشغَب (٢) القوَّاد والناس، واستشار الخاقاني فقال: لا أدخل في سَفْك الدّماء، والمصلحةُ حملُهما إلى دار الخليفة، فإذا أمِنا أظهرا المال [، ولا ينبغي أن يَسْهُلَ على الملوك قتلُ أحدٍ من الحواشي، فكيف يسهل عليهم قتلُ خواصِّهم؟].

ولمَّا كان يوم الأحد لاثنتي عشرة خلَت من ربيع الأول قُدّم إلى ابن الفرات طعامٌ فقال: إنِّي صائمٌ، فلمَّا كان عند المساء قُدِّم إليه فقال: لستُ أفطرُ الليلةَ، وأنا غدًا مقتول، فقيل له: نُعيذُك بالله، فقال: [بلى] رأيتُ أخي أبا العباس البارحة في النوم وهو يقول: أنت تُفطر عندنا يوم الاثنين بعد غدٍ، وما قال لي شيئًا في النوم قطّ إلا وصَحَّ.

فلمَّا كان يوم الاثنين انحدر الرؤساء والقوَّاد إلى دار المقتدر، فلم يصلوا إليه، فكتبوا رقعةً: إنْ تأخَّرَ قتلُ ابنِ الفرات وابنه اليوم جرى على المملكة ما لا يُتَلافى.


(١) كذا في النسخ، وتحفة الأمراء ٤٥، وتكملة الطبري ٢٤٤، وفي أوراق الصولي ١٤١، وصلة الطبري ١٠٤: يعرف بابن نقد الشر.
(٢) في (ف م ١): دعوني أفكر، فقالوا: نخاف شغب.