فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[السنة الثانية والستون وثلاث مئة]

فيها لم يُعمل في يوم عاشوراء ما جَرت به العادةُ من النَّوح وغيره، وسببُه ما جرى على المسلمين من الروم بالجزيرة ونَصِيبين وغيرهما مما سنذكره إن شاء الله تعالى، وكان الحاجب سُبُكْتِكين مقيمًا ببغداد، وبختيار بواسط، فمنعهم سبكتكتين، وكان يميل إلى السنة.

[ذكر دخول الروم نصيبين:

قال علماء السير: ] وفي يوم السبت مُستَهلّ مُحرَّم دخل ملك الروم نصيبين، فقتل وسَبى، واستأسر عامَّة أهلها، وهدم وأحرق، ووصل الخبر إلى بغداد فاضطرب أهلُها، ووافق ذلك ورودُ خبر الحاج للسنة الماضية، وما فعل بهم بنو هلال، ومات أكثرُهم، وشَغَب العوام، وقامت (1) الفتن.

وقال ابن الصَّابئ: خرج الدُّمُسْتُق في جموعٍ كثيرة إلى بلاد الإسلام، فوَطئها، وأثَّر آثارًا قبيحة، وغلَب على ديار ربيعة بأسرها، ودخل نَصِيبين فاستباحها، وقتل أكثرَ أهلها، وسبى السَّبْيَ العظيم من نسوانها وصبيانها، وأقام فيها نَيِّفًا وعشرين يومًا، ولم يكن من أبي تَغْلِب نَهْضَةٌ إليه؛ لكنه دفع إليه مالًا صانعه به عن نفسه.

ووَرد مدينةَ السلام خَلْقٌ كثير من أهل تلك البلاد، فاستَنفروا الناس في المساجد الجامعة والأسواق، وكسروا المنابر، ومنعوا الخُطباء من الخطبة، وصاروا إلى دار المُطيع، وحاولوا الهجومَ عليه، واقتلعوا بعضَ شبابيكها، حتى غُلِّقت أبوابُها، ورماهم الغلمان بالنُّشَّاب من رَواشِنها وحيطانها، ونسبوه إلى العَجْزِ عما أوجبه الله على الأئمة، وتَعَدَّوا في القول إلى الغِلظة القبيحة، والسَّبِّ الفَظيع.

ووافق ذلك شُخوص عزِّ الدولة من واسط إلى الكوفة للزيارة، فخرج إليه أهلُ السَّتر والدَّيانة من أهل بغداد، منهم أبو بكر الرَّازي الفقيه، وأبو الحسن علي بن عيسى النَّحْوي، وأبو القاسم الدَّارَكيّ، وابن الدَّقاق الفقيهَين، وشَكَوا إليه ما طرق المسلمين من هذه الحادثة العظيمة، وعاتبوه على أن شَغل نَفْسَه وجيشَه بصاحب البَطِيحة،


(1) في (ف م م 1): وثارت.

<<  <  ج: ص:  >  >>