للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واشتدَّ الأمرُ بجوهر، فاحتال في الخَلاص، فراسل هفتكين، وسألَه القُربَ منه، فأجابه، ووقفا على فَرسيهما سرًّا، وقال له جوهر: قد علمتَ ما يَجمعُني وإياك من عصمة الإِسلام وحرمة الدين، وهذه فتنةٌ قد طالت، وأُريقت فيها دِماءٌ، ونحن المؤاخذون بها عند الله، وقد دَعوتُك إلى الصُّلْحِ والمُوادَعة، وضَمِنْتُ لك ما أردْتَ فأَبيتَ، فقال: معي في الرَّأي القرمطي، وبيني وبينه أيمان، فقال: إذا كان الأمر كذا فأنا ألتَمِسُ منك أن تأذَنَ لي في الخروج من عَسْقلان إلى مصر بمن معي، ونَسير تحت ذِمامك، وسوف ترى ما أفعل، فقال: بشرط وهو أن أُعلِّق سيفي على باب عَسقلان ورُمْحَ القرمطي، وتخرج أَنْتَ وأصحابك من تحتهما، فقال جوهر: جزاك الله خيرًا فقد تفضَّلْتَ وأحسَنْتَ، لَأَحْدِرَنَّه.

وعاد الهفتكين فأخبر القرمطي فقال: ما فعلت مصلحة! ارجعْ عن هذا فإنَّها خَديعة، ودعْهم يموتون جوعًا، أو تأخذهم بالسيف فإن جوهرًا صاحب مَكرٍ وخَديعة، فقال: قد كان وحَلَفْتُ له وما أَغْدِر به.

وأصبح جوهر وأصحابه، فخرجوا من تحت سيف الهفتكين ورمح القرمطي، وسار إلى مصر، واجتمع جوهر بالعزيز، وشرح له الحال، فقال: ما الرَّأي؟ فقال: أن تَخرجَ بنفسك، وإلا فإنهم وارِدون على أثَري.

ففتح العزيز بيوتَ الأموال، وبرَز بالعساكر، واستصحب الذَّخائرَ وتوابيتَ آبائه، وسار جوهر على مُقدِّمته إلى الرَّمْلَة والهفتكين والقرمطي بها، فنزل العزيز وبينهما مقدار فَرسخ، والتقى الصَّفَّان والهفتكين يلعب بين الصفَّينِ بسلاحه، فقال العزيز لجوهر: أرني الهفتكين، فأراه إياه وعليه كَزاغَنْد أصفر (١)، وهو تارةً يضرب بالسيف، وتارة باللتّ، وتارةً يطعن بالرُّمح، والناس يَتحامونه، فأَعجبَ العزيزَ ما رآه من فروسيته، فانفرد العزيز، وصعد على رابِيةٍ وعلى رأسه المِظَلَّة، وأرسل رِكابيًّا إلى الهفتكين وقال: قل له: أنا العزيز، وقد أزْعَجْتَني من سرير مُلكي، وأحْوَجْتَني إلى مُباشرة الحرب، وقد عفوتُ عنك، فاترُك ما أَنْتَ عليه ولك عليَّ عهدُ الله وميثاقُه أن أصطَنِعَك، وأجعلك اِسْفَهْسَلار عسكري، وأهَبُ لك الشَّامَ بأسرها.


(١) سترة مضرّبة محشوة متخذة من القطن أو الحرير تستخدم عوضًا من الدرع. تكملة المعاجم ٩/ ٧٧.