فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَصل في قِصَّة شَعْيَا بن أمصيَا وَخَراب بَيت المَقدِس (1)

قال الله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} [الإسراء: 4] والمراد بالكتاب: التوراة، والفساد: قتل الأنبياء مثل شَعْيَا بن أَمَصْيا ويحيى بن زكريَّا، والمقتول في الفساد الأول: شَعْيَا، وفي الثاني: زكريَّا، وقال مقاتل: كان بين الفَسَادَين مئتا سنة وعشر سنين.

قال علماء السِّير: كان بنو إسرائيل فيهم الأحداث والخطايا، وكان الله تعالى متجاوزًا عنهم، منعطفًا عليهم، محسنًا إليهم.

وقال أبو إسحاق الثعلبي- وقد اختصرته-: كان أول ما نزل ببني إسرائيل بسبب ذنوبهم أنَّ ملكًا منهم يدعى صديقة، وكان الله إذا ملك عليهم بعث نبيًا يسدِّده ويرشده، فبعث الله شَعْيَا بن أَمَصْيا، وكان ذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى (2).

وقال جدي في "فضائل بيت المقدس": وقال ابن إسحاق: وشَعْيَا هو الذي بشَّر بعيسى ومحمد -صلى الله عليه وسلم-، فقال مخاطبًا لبيت المقدس: أبشري أُوْرِيْ شَلِم، الآن يأتيك راكبُ الحمار يعني عيسى، ومِن بعدِه راكب البعير، يعني محمدًا - صلى الله عليه وسلم - (3).

فملك صديقة بني إسرائيل مدةً وشَعْيَا معه، وعظمت الأحداث في بني إسرائيل فبعث الله سَنْحاريب ملك بابل في ست مئة ألف راية، فنزل على القدس، وكان الملك مريضًا في ساقه قرحة، فقال شَعْيَا لصديقة: قد نزل بنا هذا الملك وخافه الناس، فقال له الملك: هل أتاك من الوحي فيما حدث؟ قال: لا، فبينما هم كذلك جاء الوحي بأنَّ صديقة قد انتهى ملكه، وأنه سيخلِّف من يشاء ويوصي وصيَّته، فلما أخبرنا شَعْيَا صديقة قام إلى المحراب فبكى ساعةً ودعا وتضرَّع وقال: إلهي، قد علمتَ سرِّي وعلانيتي وفعلي في بني إسرائيل- وكان عبدًا صالحًا- فرحمه الله وأوحى إلى شعيا أَخْبِر صديقةَ


(1) انظر قصته في "تاريخ الطبري" 1/ 532، وتفسيره 14/ 459، و"البدء والتأريخ" 3/ 113، و"عرائس المجالس" 329، وتفسير الثعلبي 6/ 71، و"المنتظم" 1/ 397، و"الكامل" 1/ 255، والبداية والنهاية 2/ 357.
(2) "عرائس المجالس" ص 531.
(3) "فضائل القدس" ص 100.

<<  <  ج: ص:  >  >>