فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل في بُختَ نَصَّر البابلي

قلت: ذكر أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" بإسناده إلى إسماعيل بن موسى- وكان أديبًا قد قرأ الكتب - قال: بلغني أن بُخْتَ نَصَّر دخل الشام في ست مئة ألف، راكبًا على أسد أحمر، متعمِّمًا بثُعْبان، متقلدًا سيفًا طوله عشرة أشبار في عرض شبر، نَصْلُهُ أخضر مُرَصَّعٌ بالجواهر واليواقيت الحمر، منقوش عليه أبيات منها:

وأَنت إنْ لم تَرْجُ أو تتَّقِ ... كالميت محمولًا على نَعْشِهِ

وكم نَجَا مِن يَدِ أعدائه ... وميِّتٍ مات على فرشهِ

مَنْ يفتح القُفْلَ بمفتاحه ... ينجُ مِنَ التُّهْمَة في فَشِّهِ

ونابشُ الموتى له ساعةٌ ... تأخذه أنبش مِنْ نَبْشه (1)

وحكى سعيد بن جبير قال: قرأ رجل في المصحف: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} فبكى وقال: يا ربِّ، أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل وخراب القدس على يده، فرأى في المنام قائلًا يقول: إنَّ ذاك مسكين بأرض بَابِل يقال له: بُخْتَ نَصَّر، فأخذ مالًا للتجارة وسار إلى بَابِل، وطاف على المساكين، وسأل عن بُخْتَ نَصَّر فقالوا: هو مريضٌ على قارعة الطريق، فمضى إليه وأخذه إلى منزله وكساه وأعطاه نفقة ومرَّضه حتى برئ، وعزم الإسرائيلي على العَوْد إلى الشام، فبكى بُخْتَ نَصَّر، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: قد فعلتَ معي ما فعلتَ، وليس لي ما أجازيك به؟ فقال الرجل: بلى، شيء يسير إنْ ملكتَ فأعطني إيَّاه، فقال: أتسخر بي؟ فقال: لا والله، وجعل الرجل يسأله وبُخْتَ نَصَّر يمتنع، فبكى الرجل وقال: لقد علمتُ أنَّه ما يمنعك أن تعطيني ما سألتُ إلا أنَّ الله يريد أن ينفِّذ ما قد قضى به وكَتَبه على بني إسرائيل. ثم قفل الإسرائيلي راجعًا، وكان مَلِكُ بابِل يقال له: صيحون، فأرسل سرية إلى الشام مع رجل من أصحابه في مئة ألف، وخرج بُخْتَ نَصَّر معهم في مطبخه، ليس له همٌّ إلا أن يأكل من المطبخ، فلم يقدم الرجل على أهل الشام وعاد إلى بَابِل. فقال صيحون: أريد رجلًا أعرف من هذا، فقيل له: ها هنا رجل يقال له: بُخْتَ نَصَّر، قد


(1) مختصر تاريخ دمشق 5/ 158 - 159.

<<  <  ج: ص:  >  >>