للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أموالٌ عظيمةٌ، فحصرهم الأُصيفر وقال: أُريد ألفَ ألفِ دينار. وكان في الركب أبو الحسين بن الرفَّاء وأبو عبد الله بن الدَّجاجي، وكانا من أحسنِ الناس قراءةً، ولم يَبْقَ إلا نَهْبُ الحاجِّ، فقالوا: مَنْ يمضي إليه ويُقرِّرُ معه شيئًا نُعطيه. فندبوا [أبا الحسين] بن الرَّفاء وابن الدَّجَّاجي، فدخلا عليه، وسلَّما وجلسا بين يديه، وقرآ، فأعجبه وطرب، وقال لهما: كيف عيشُكما ببغداد؟ فقالا: نِعمَ عيشٍ؛ يصلنا من أهلها الخِلَعُ والصِّلات والهدايا. وقال: هل وهبوا (١) لكما في دفعةٍ واحدةٍ ألفَ ألفِ دينار؟ قالا: لا، ولا ألف دينار في مرة. فقال لهما: قد وهبت لكما] (٢) الحاجَّ وأموالهم، وذلك يزيد على ألف ألف دينار. فشكروه وانصرفوا، ووفى لهم بذلك، فلمَّا وصل الناس إلى عرفات صَعِدا على جبل الرحمة، وقرؤوا، فقال أهل مكة و [أهل] الشام ومصر: ما سمعنا عنكم يا أهل العراق تبذيرًا مثل هذا، يكون عندكم مثلُ هذين الشخصين فتصحبونهما معًا (٣)، فإن هلكا فبأيِّ شيء تتجمَّلون؟ كان ينبغي أن تصحبوا كلَّ سنةٍ واحدًا.

ولمَّا انقضى الموسمُ بلغ أبا الحارث أنَّ أعرابًا قعدوا له بين مكة والمدينة، فعزم على العَوْدِ إلى العراق، ولا يمضي إلى المدينة، فوقفا على مضيق يأخذ إلى طريق المدينة، وقرآ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] فضجَّ الناسُ بالبكاء، ولَوَتِ الجمالُ أعناقَها إلى المدينة، وسارَ بهم الأمير إلى المدينة، وسَلِموا.

وكان أبو الحسين بن بُوَيه لمَّا قدم بغداد بلَغه حُسْنُ صوتِهما وهما حَدَثان، فأمران يُصلِّيا به التراويح، وقرأ يومًا أبو الحسين: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] فصاح صوفيٌّ: بلى قد آن. ومات.


(١) في (م) وحدها: دفعوا.
(٢) ما بين حاصرتين من جميع النسخ سوى (خ).
(٣) في (م) و (م ١): فتصحبونهما جملةً معكم.