للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

جبلًا ينظر إلى أهل نِينَوَى ويترقب العذاب، وبعث الله تعالى جبريل فقال: انطلق إلى مالكٍ خازن النار فقل له يُخرج من سَموم جهنم بمقدار مثقال شعيرة. ففعل جبريل ما أمره ربه. قال ابن عباس: فخرجوا إلى موضع يقال له: تل الرماد وتل التوبة، وإنما سُمي به لأنهم وضعوا الرماد على رؤوسهم والشوك تحت أرجلهم. فلما رفعوا أصواتهم بالبكاء قالت الملائكة: يا رب، رحمتك وسعتْ كلَّ شيء، فهؤلاء الأكابر من ولد آدم تعذبهم، فما بال الأصاغر والبهائم؟ فقال الله تعالى جلت عظمته وقدرته قد رحمتهم، وأمر جبريل أن يكشف عنهم العذاب (١).

وروى الموفَّق أيضًا بإسناده إلى أبي الجَلْد: أنَّ العذاب لما هبط على قوم يونس فجعل يحوم على رؤوسهم مثل قطع الليل المظلم، مشى ذوو العقول منهم إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا ما ترى، فعلِّمنا دعواتٍ ندعو بها عسى أن يرفع الله عنا العذاب، قال: قولوا: يا حيُّ حين لا حي (٢). وقد ذكرناه.

وروى الموفق عن الحسن: أنَّ يونس بعدما أنجاه الله من بطن الحوت مَرَّ في برية براعٍ من رعاة قومه، فقال له يونس: ممن أنت؟ فقال: من قوم يونس بن متى، قال: فما فعل يونس؟ قال: لا أدري إلا أنه كان من خيار الناس وأصدق الناس، أخبَرَنا عن العذاب فجاءنا كما قال، فتُبنا إلى الله فرحمنا، ونحن نطلبه فلا نجده ولا نسمع له ذكرًا، قال يونس: فهل عندك من لبن؟ قال: لا، والذي أكرم يونس ما مطرت السماء ولا أعشبت الأرض منذ فارقنا يونس. قال: ألا أراكم تحلفون بإله يونس؟ قال: لا نحلف بغير إله يونس، من حلف بغير إله يونس في مدينتنا نُزعَ لسانه من قفاه. فقال له يونس: متى استحدثتم هذا؟ قال: منذ كشف الله عنا العذاب. قال يونس: ايتني بنعجةٍ، فأتاه بنعجة مسلوبة (٣) فمسح على بطنها وقال: دُرِّي لي بإذن الله، فدرَّت فاحتلبها يونس، فشرب يونس وسقى الراعي، فقال الراعي: إن كان يونس حيًّا فأنت هو. قال: أنا هو، فأتِ قومك فأقرئهم مني السلام. قال: فإن الملك قال: من أتاني به أو ذكر أنه


(١) انظر "التوابين" ٣٢ - ٣٣.
(٢) انظر "التوابين" ٣٣.
(٣) في (ب): هزيلة.