للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفي ربيع الأول تجدَّدت ببغداد فتنةٌ عظيمةٌ، وسببُها أنّ الحركي (١) الصوفي طلب الجهاد من الخليفة، فأذِنَ له، وأُعطيَ المُنْجوقَ (٢) والمنشور (٣) بذلك من دار الخلافة، فاجتمع إليه لفيفٌ كثيرٌ، وعبر إلى جامع المنصور للصلاة فيه وقراءة المنشور، فاجتاز بالمحالِّ العربية -وبين يديه العامة- بالسلاح، وأعلنوا بذكر أبي بكر رضوان الله عليه، فخرج إليهم أهل الكَرْخ، وثارتِ الفتنةُ، ومزَّقوا المُنْجوقَ، ونادى الناسُ: النفيرَ النفيرَ، ووقع القتالُ، ومُنِعَتِ الصلاةُ، ونُهِبَتْ دارُ المرتضى، واحتمى له الأتراك جيرانُه، ووقعتِ الحربُ، واحترق الكَرْخُ، وركبَتِ العساكرُ، وأشرف أهلُ الكَرْخِ على خُطَّةٍ عظيمةٍ، فكتب الخليفةُ إلى الملك والإسْفَهسلارية، وأنكر عليهم إنكارًا عظيمًا، ونسَبَ إليهم تمزيقَ المُنجوق، فركبَ الوزيرُ، ودخل بين الصفَّين، فجاءته آجُرَّةٌ في صدره، وسقطَتْ عِمامتُه من رأسه، وعاد موهونًا، وقُتِلَ جماعةٌ من أهل الكَرْخِ ومن الأتراك، وقُتِلَ الغازي، واحترق الجانبُّ الغربيُّ، وكان السبب سقوطَ هيبة السلطنة.

وفيها نقِبَتْ دارُ المملكة ثانيًا، ولم يَبْقَ إلا أخذُ حُرَمِ الملك أبي كاليجار المعتقلين بها وبدربهم، فهربوا، ونُقِلَ الحُرَمُ إلى مكان آخر، ثم أُطْلِقوا بعد ذلك.

وفي شعبان لَحِقَتِ الخليفةَ شَكاةٌ، وأُرجِفَ عليه، فانتقل مَنْ كان ملتجئًا إلى داره عنها، ونَقَلوا أموالهم، وطولِبَ القائمُ بمال البيعة، وضجَّ الأتراكُ، ثم عُوفيَ الخليفة، فسكن الناس.

وفي رمضان اجتمع الأتراكُ، وشكَوا جلال الدولة وإغفاله أمورَهم، وراسلوا الحُجَّاب بقَطْعِ خُطبَتِه يومَ الجمعة إلى أن يستقِرَّ حالُهم ورأيُهم على من يرونه أهلًا، وعرَفَ الملكُ ذلك، فقَلِقَ، وأرسل إلى الإسْفَهسلارية وجميعِ العساكر، ووعدهم وأعطاهم، وعزَمَ الملكُ على الركوب إلى الجامع ليُطفئَ هذا الأمرَ، وحلفَ لهم، واستمال الكبارَ منهم، فتوقَّفَ الحالُ، ثمَّ اجتمع الغِلمانُ، وعاتبوا المُقدَّمين، وبعثوا إلى الخليفة يقولون: نحن عبيد مولانا، وقد علم ما عليه هذا الملك من اطِّراحنا،


(١) هكذا في النسخ (خ) (ف)، وفي المنتظم ١٥/ ١٢٣: الخزلجي، وفي تاريخ الإسلام ٩/ ٣٤٢: الحرمي.
(٢) المُنجوق: الراية. المعجم الذهبي ص ٥٤٨.
(٣) المنشور: بيان العسكر. المعجم الوسيط (نشر).