للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بلغني ما يكون سببًا لهلاكي وهلاككم، فقالوا: افعَلْ ما شئتَ ممَّن تخيَّلْتَ منه بالقتل والتغريق وغير ذلك. فقال: لا، بل أخرج عنكم وأُخليكم. ثم تسلَّل جماعةٌ منهم إلى الملك، وفي كلِّ يوم يخرج إليه جماعة من الأعيان، والحاجب ينقض دورهم، وينهب أموالهم، وشكا ذلك إلى الخليفة فلم يقدِرْ على منعهم.

وفي جمادى الآخرة قدم أبو الحارث البساسيري ومعه جماعةٌ من العرب والأكراد، ووصلوا بغداد، فخرج إليهم الحاجب والغلمان، واقتتلوا، فقُتِلَ من الفريقين جماعةٌ، وتبعهم الحاجب إلى عَقَرْقُوف (١)، وعبر الحاجبُ والترك إلى الجانب الشرقي خوفًا على دورهم وأموالهم، وكثُرَ التسلُّلُ إلى جلال الدولة، وفسدت النيَّات، وورد جلال الدولة ومعه الوزير كمال الملك والبساسيري والترك الذين جاؤوا فنزلوا عند المارستان العَضُدي من الجانب الغربي، وحالتْ دِجلةُ بينهم، وأُحرِقَ الجسر، واستأمن إلى الملك جماعةٌ منهم، ووصل الأميرُ أبو منصور ولدُه إليه مع العرب، وأمر الملك أن تُضرب له الطبول في أوقات الصلوات الخمس، واجتمع ببغداد أربعُ طبول؛ طبلُ الخليفة، والملك، والحاجب لأبي كاليجار، ومعتمدِ الدولة بباب التين في عسكره، ووافتِ الملكَ الأمدادُ من كلِّ ناحية من الجزيرة والموصل والفرات وتكريت ودَقوقا وغيرها، فاجتمع وجوهُ الغلمان إلى الحاجب، وقالوا: أنت سيدنا وكبيرنا وقبِلْنا (٢) منك، ووعدتنا بوصول أبي كاليجار والنجد من كلِّ مكان، وقد طال علينا ذلك، فإن كان لذلك أصل وإلَّا دبَّرنا نفوسَنا فاصدُقْنا، فإن هذا الملك قد جمع الجموع، ووافته الأمداد، وملَكَ علينا دورَنا وأقطاعَنا، فأخبِرْنا حتَّى ننظر في أمورنا، فإن كنت صادقًا صبَرْنا، وإن كان غير ذلك دبَّرنا أمورنا، أو نعبر إلى القوم فنطرح نفوسنا عليهم، فإمَّا لنا، وإمَّا علينا، وإمَّا أن نميلَ إلى الصلح، ونستوثِقَ لك من الملك، وإمَّا أن نرُدَّكَ إلى دار الخليفة، وإمَّا أن نسير معك من هذا البلد على حمية، فإذا بلغْتَ مأمنَكَ رجع منَّا مَنْ رجع، وصحِبَك مَنْ صَحِبَك. فقال لهم: ما قلتُ وفعلتُ إلا عن قاعدةٍ صحيحة،


(١) عَقَرْقُوف: قرية من نواحي دجيل، بينها وبين بغداد أربعة فراسخ. معجم البلدان ٤/ ١٣٧.
(٢) في (خ): وقبلتنا، والمثبت من (ف).