للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ورواه السُّدي، وفيه: لأُزوِّجنَّكَ أربعةَ آلافِ حوراءَ، خلقتُهنَّ بيدي.

وفي رواية: أنه جاء إلى خيمة العجوز، فجلس في ظلِّها، فأقامتهُ، وقالت: قم من ظلِّي، فبكى، وقال: لستِ التي أقمتيني، وإنما أقامني من ما رضيَ لي ظِلَّك.

وروى ابن أبي الدنيا عن ابن المُسيَّب، قال: مرَّ عيسى في سياحته بنهرين يجريان من أصل جبلٍ، فوقف ينظر إليهما، فأنطق الله الجبل، وقال له: يا عيسى، ممَّ تعجب؟ فقال: من هذين النهرين فقال: أما الذي عن يميني فدمع عيني اليمنى، وأما الذي عن يساري فدمع عيني اليسرى. قال. فما سبب بكائك؟ قال: خوفي من نارٍ وَقودها الناس والحجارة، فاسأَل ربك أن يؤمِّنني إياها، ولا يجعلني من وَقودها. فسأل الله عيسى فيه، فقال الله: قد أمنته منها، فأَخْبَرَهُ عيسى. فمدَّ الواديَ من الجبل إلى الجبل، وارتفع الماء إلى أعلاه، وكاد عيسى يغرق، فقال له عيسى: ما هذا؟ فقال الجبل: يا روح الله، تلك دموع الخوف والحزن، وهذه دموع الشكر والحمد (١).

وذكر أبو حامد الغزالي في كتاب الزهد من "الإحياء" أن: عيسى اجتاز بقريةٍ خرابٍ، وأهلُها موتى على الطرق. فقال عيسى: يا معاشر الحواريين، إنَّ هؤلاء ماتوا عن سُخْطٍ، ولو ماتوا عن رضًى لتدافنوا. فأوحى الله إليه: إذا جاء الليل فاسألهم. فنادى عيسى في الليل: يا أهل هذه القرية، فأجابه واحد منهم: لبيك يا روح الله، فقال: ما بالكم كذا؟ فقال: بتنا في عافيةٍ وأصبحنا في الهاوية. قال: ولِمَ؟ قال: لحبِّنا الدنيا. قال: وكيف كان حبكم لها؟ قال: حبَّ الصبيِّ لأمِّه، إنْ أقبلتْ فَرِحنا، وإن أدبرت حَزِنَّا. ثم قال: يا نبيَّ الله، ولست منهم، وإنما أتيتهم زائرًا، فنزل عليهم السُّخْطُ فعمَّني. قال: وأين أهلها؟ قال: أُلجموا بلجامٍ من نار، فلا يقدرون على الكلام. فقال عيسى: لأكل خبز الشعير، والنوم على التراب، ولبسُ المُسُوحِ، أحسن حالًا من هؤلاء، يا معشر الحواريين، خذوا الحقَّ من أَهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق، كونوا مستعدين لئلا تجوزَ عليكم الزُّيُوف (٢).


(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٩٠٤) عن الفضيل بن عياض.
(٢) إحياء علوم الدين ٣/ ٢٠٥.