فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل في قصة مريم وعيسى عليهما السلام (1)

قال مقاتل: ذكرهُ الله في ستةٍ وعشرين موضعًا، قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} [مريم: 16]. ومريمُ: اسم أعجمي، ومعناه بالعبرية: خادمة الكنيسة، وقيل: خادمة الله، ويقال: لأنها مرَّت في الطاعة مرور الحوت في اليم.

ومن فضائلها: أنَّ الله سمَّاها في القرآن في قصةٍ واحدة في سبع مواضع، ولم يذكر في القرآن غيرها، وخاطبها كما يخاطب الأنبياء، فقال: {يَامَرْيَمُ}. وقال لها: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} بواسطة جبريل؛ أي: اختارَكِ {وَطَهَّرَكِ} من مَسيس الرجال والفواحش، وقيل: إنها ما كانت تحيض و {نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} أراد نساء زمانها. {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} أي: أطيلي عبادته، {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] (2).

فإن قيل: فلِمَ قدَّم السجود على الركوع، وهو مُؤَخَّر عنه في الحكم؟ فالجواب من وجوه:

أحدها: أن الواو للجمع دون الترتيب؛ قاله أهل اللغة.

والثاني: أنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، ومعناه: اركعي واسجدي؛ ذكرهُ ابن الأنباري، ونظيرهُ قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55].

والثالث: أن السجود كان مقدمًا على الركوع في شرعهم؛ ذكرهُ أبو سليمان الدمشقي.

قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} أي: جبريل {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} وهو عيسى، وقيل: قوله: كن منه {اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ}، وقد سمَّاهُ الله روحًا وكلمة.


(1) في (ب): الباب التاسع والعشرون في قصة مريم وعيسى عليهما السلام، وانظر في هذه القصة: "تاريخ الطبري" 1/ 585، و"البدء والتاريخ" 3/ 118، 120، و"عرائس المجالس" 384، وتاريخ دمشق 57/ 65، و (تراجم النساء) 342، والتبصرة 1/ 352، و"المنتظم" 2/ 16، و"الكامل في التاريخ" 1/ 307، و"المختصر في أخبار البشر" 1/ 34، و"البداية والنهاية" 2/ 416.
(2) انظر في تفسير الآيات هذه والآتية: تفسير الطبري 5/ 393، والماوردي 1/ 392، والثعلبي 7/ 67، وزاد المسير 1/ 387.

<<  <  ج: ص:  >  >>