للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

شاهدتُه، فقيل لي: هذا المعرِّي الملحد. قال: فعجِبْنا من ذلك، فاستظرفناه حيث وقع عقيب ما تفاوضناه من كفره (١).

وقال الشيخ أبو الفرج [ابن] (٢) الجوزي: مات المعرِّي بمعرة النعمان عن ستٍّ وثمانين سنة إلا أربعة وعشرين يومًا، في ربيع الأول، وذُكِرَ لنا أنه أُنشِد على قبره ثمانون مرثيةً رثاه بها أصحابُه ومَنْ قرأ عليه ومال إليه، حتى قال بعضهم: [من الكامل]

إنْ كنتَ لم تُرِقِ الدماءَ زهادةً … فلقَدْ أرَقْتَ اليومَ من عيني دما (٣)

وهؤلاء بين أمرين، إمَّا جُهَّالٌ بما كان عليه، وإمَّا قليلو الدِّين، ومن سبر خفيات الأمور بانت له، فكيفَ بهذا الكفر الصريح في هذه الأشعار؟!

[قلت: وقد ذكره الغزالي في كتاب له سمَّاه "سر العالمين وكشف ما في الدارين" وقال:] (٤) حدثني يوسف بن علي بأرض الهركار قال: دخلتُ معرة النعمان وقد وشى وزيرُ محمود بن صالح صاحب حلب إليه بأنَّ المعرِّي زنديق لا يرى إفساد الصور (٥)، ويزعم أن الرسالة تحصل بصفاء العقل، فأمر محمود بحمله إليه من المعرَّة إلى حلب، وبعث خمسين فارسًا [إليه] ليحملوه، فأنزلهم أبو العلاء دار الضيافة، فدخل عليه عمُّه مسلم بن سليمان وقال له: يا ابن أخي، قد نزلَتْ بنا هذه الحادثة، الملك محمود يطلبك، فإن منعناك عجزنا، وان أسلمناك (٦) كان عارًا علينا عند ذوي الذمام، ويركب تنوخًا العارُ والذِّلةُ. فقال له: هَوِّنْ عليك يا عم، فلا بأس علينا، فلي سلطانٌ يذُبُّ عني. ثم قام فاغتسل وصلَّى إلى نصف الليل، ثم قال لغلامه: انظُرْ أين (٧) المريخ. فقال: في منزلة كذا وكذا. فقال: زِنْه واضرِبْ تحته وتدًا، وشُدَّ في رجلي خيطًا واربُطْه إلى الوتد. ففعل غلامُه ذلك، فسمعناه وهو يقول: يا قديمَ الأزل، يا علةَ العِلَل، يا صانعَ


(١) في (م) و (م ١): أمره.
(٢) هذه الزيادة من (ف).
(٣) قائله علي بن الهمام، وهو في معجم الأدباء ٣/ ١٢٦، وفيه: جفني، بدل: عيني.
(٤) في (خ) و (ف) بدلًا منها: وقال الغزالي.
(٥) تحرفت في (م) إلى: الصوم.
(٦) في (م) وحدها: أرسلناك.
(٧) في (ف) وحدها: إلى.