للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[السنة الخامسة والخمسون وأربع مئة]

فيها في يوم الجمعة سابع المُحرَّم وصل السلطان، وعزم الخليفة على لقائه، فاستعفى من ذلك، فأُعفي، فخرج إليه الوزير ابن جَهير من الغد، وتلقَّاه عميدُ الملك، وأوصله إلى السلطان، فخدمه وأدَّى إليه عن الخليفة رسالةً تتضمَّن السرورَ بسلامته وعافيته، والأُنسَ بقُربه، وحمل إليه فَرَجيَّةً وعمامةً وثيابًا وفرسًا من مراكبه، فعضد حتى قام، وقبَّل الأرض، وطرح العميد الفَرَجيَّة على كتفيه، ودخل من الغد دار المملكة في زَبْزَبٍ بعثه إليه الخليفة، وكان مرض بأرمية وثَقُل عليه، فشغب العسكر، فأُجلِسَ على مضض، وأدخلَ وجوههم إليه، وأوصى إن حدث به الموت أن يُنصِّبوا مكانه سليمان ابن أخيه داود، وهو حينئذ صغير بأصبهان، والسلطان متزوِّجٌ بوالدته، وأن يرجعوا إلى رأي عميد الملك من غير مخالفةٍ ولا عدولٍ عنه، وقَرَّظه (١) ومدحه، فأجابوا بالسمع والطاعة، إلا أردم الحاجب، فإنه قال: ما أخدم (٢) أحدًا بعدك، وأمضي إلى ألب أرسلان ابن أخيك داود، وأنزل عليه، وسار من وقته إلى خراسان، وكان من رأي عميد الملك ومشورته ليتمَّ له الاستبداد بالأمور، ويستولي على الملك، وقالت الجماعة: قد نزل الثلج وما لنا طاقةٌ بالمسير إلى بغداد، ونريد أن نستقر في بيوتنا. فقال: اذهبوا. وجاء إلى بغداد ومعه عميد الملك، وبرشق الحاجب، والأمير علي بن الملك أبي كاليجار وأبو كاليجار هزارسب- وبدر بن مهلهل، وغيرهم.

و [فيها] سار [السلطان طُغْرُلْبَك إلى بغداد] فصادفوا عقبةً عظيمة قد طمَّها الثلج، ولا بُدَّ من قَطْعِها، فحُمِلَ السلطانُ في مِحفَّة على أعناق الرجال، ومات معظم الناس والدواب، ولمَّا دخل السلطان (٣) بغداد نزل العسكر في الجانب الغربي، وأخرجوا الناس من دورهم، وأوقدوا أخشاب السقوف للبرد العظيم، وتعرَّضوا لحريم الناس، وقطعوا الطرقات، وأخذوا عمائم الناس، وجاء قوم من الأتراك فصعدوا إلى أسطحة حمامات بنهر القراطيس ونهر طابق، فقلعوا الجامات، واطَّلعوا على النساء [منها]،


(١) أي: أثنى عليه.
(٢) في (خ): ما آخذ، والمثبت من (ف).
(٣) في (خ): الناس، والمثبت من باقي النسخ.