فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتهدَّده إن عاد ثانيًا. فأتاه الخادم وأعطاه دينارًا، وقال: إن عُدْنا رأيناك ها هنا قتلناك. فسأل الخليفةَ عن السبب، فقال: إنَّ هذا أسمعني يومَ خروجي من الدار الكلامَ الشنيع، وما كفاه حتى تبِعَني إلى المكان الذي بِتُّ فيه في المشهد، وجعل يشتمني، وما كفاه حتى تبِعَني إلى عَقْرَقُوف يُسمِعني ما أكره، فأمسكت عن معاقبته رجاءَ ثواب الله تعالى، وما عاقبتُ مَنْ عصى الله فيَّ بأكثرَ مِنْ أن نُطيعَ الله تعالى فيه.

وفيها كان بمكة رُخْصٌ لم يُعهَدْ مثلُه، بلغ البُرُّ والتمرُ مئتي رطل بدينار، وهذا غريب في ذلك المكان.

وفيها قُتِلَ أرسلان التركي أبو الحارث البساسيري، وكان يُلقَّب بالمظفَّر، وكان مُقدَّمًا على الأتراك، لا يقطع القائم أمرًا دونه، فتجبَّر وطغى، وأراد نقل الدولة؛ لفسادِ نيَّتِه وخُبثِ طويَّتِه، فقبِلَها وفعل ما فعل، فقُتِلَ أقبحَ قتلة، ويقال: إنهم أحرقوا جسده، وأطعموا بعضَه الكلاب.

وقال أبو يعلى بن القلانسي: لم تَزلِ الأخبارُ متواترةً من ناحية العراق بظهور المظفَّر أبي الحارث أرسلان البساسيري، وقوَّةِ شوكته، وغلَبَةِ أمره على الإمام القائم بأمر الله، وقَهْرِ نُوَّابِه، وامتهانِ خواصِّه وأصحابه، وخوفِهم من شرِّه، حتى أفضى أمرُه بأخذ الجائي من حريم الخلافة لأدافع عنه، وهو واحد من الغلمان الأتراك، عَظُم أمرُه، واستفحلَ شأنُه؛ لعدم نُظرائه من الغلمان الأتراك والمُقدَّمين، فاستولى على العباد والأعمال (1)، ومدَّ يده في جباية الأموال، وشاع بالهيبة أمرُه، وانتشر ذِكرُه وتهيبته العرب والعجم، ودُعي له على كثير من منابر العراق والأهواز، وقد ذكرنا سيرته مفصَّلة.

[وفيها تُوفِّي]

الحسن بن أبي الفضل (2)

أبو علي الشَّرْمَقاني، -وشَرْمَقان: قريةٌ من قرى نيسابور -وقدم بغداد، وكان حدثنا حافظًا للقرآن ووجوه القراءات، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، سليم الصدر، طاهر البدن (3)، كان يخرج إلى دجلة فيقعد عند أقوام يغسلون الخسَّ فيأخذُ من الورق ما يحدره الماء [قال


(1) في (ف): والأموال.
(2) تاريخ بغداد 7/ 402، والمنتظم 16/ 57 - 58.
(3) في (م 1): البطن.

<<  <  ج: ص:  >  >>