فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[السنة الثالثة والخمسون والأربع مئة]

فيها في يوم الجمعة غُرَة المُحرَّم تُوفِّي السلطان ابن أبي الأغر دُبيس بن مَزْيَد، وكان أبوه قد أهَّله أن يكون موضعه، وكان المميز لذلك من بين إخوته، وكان الخليفة في السنة الماضية قد طلب رد خاتون زوجته إلى دار الخليفة، وكان قريش قد بعث بها إلى السلطان بالري، فتأخَّرت عن الوصول، حتى ورد في هذا الشهر أبو يحيى سعد بن صاعد قاضي الري، مع صلف قهرمانة الخليفة [وموفق خادم الخليفة الخاص، وكان الخليفة] قد بعث بهما ليحملا إليه أرسلان خاتون زوجته، فعادا بغير شيء، وكان مع القاضي رسالةٌ من السلطان إلى الخليفة تتضمن خطبة السيدة بنت الخليفة، فثَقُل ذلك عليه. وقيل: إن صلفًا عرضت للسلطان بذلك وأطمعته فيه، وتكلَّم قاضي الري في بيت النُّوبة كلامًا يشبه التهدُّد، فأجاب الخليفة إلى ذلك إجابةً خلطها بالاقتراحات التي ظنَّ أنَّها تبطل الأمر، وقال: ما جَرَتْ بهذا عادة لأحد من الخلفاء، وركنُ الدين عضدُ الدولة وركنُها، والمحامي عنها، والماحي لكلِّ أذى منها، وما هذا ممَّا يجوز؛ سومُنا إيّاه، ومطالبتُنا به. وتردَّد في ذلك ما انتهى إلى إجابته، ثم اقترح عن ذلك تسليمَ واسط وما كان لخاتون زوجة السلطان من الأملاك والرسوم في سائر الأصقاع، وثلاث مئة ألف دينار قهرًا، وأن يكون مقام السلطان ببغداد ولا يرحل عنها. فقال العميد أبو الفتح -وكان المُخاطَب مع ابن صاعد يُحكم نظره ببغداد- أمَّا الملتَمَس من المهر وغيرِه فمُجابٌ إليه من جهتي عن السلطان، ولو أنه أضعافُه، فإن أمضيتم الأمر، وعقدتُم العقد، سَلِمَ جميعُه، وأما مجيء السلطان إلى بغداد ومقدمه فيها فهذا أمر لا بُدَّ من عرضه عليه. وندب في جواب هذه الرسالة للخروج إلى الري أبا محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي القاضي، وأصحبه بذكره، ورسم له الخطاب بالاستعفاء من ذلك، فإن تمَّ فهو المراد، وإلا سلَّم ليذكره إليه على مضض وكُره، ورسم (1) له أن يستعين بعميد الملك على ذلك، وأنفذ معه الكامل أبا الفوارس طراد بن أبي تمام نقيب


(1) في (ف): وسلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>