فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفيها تُوفِّي

[الأمير أحمد بن مروان]

أبو نصر، الكردي، أمير ميَّافارقين وديار بكر.

ذِكْرُ طرف من أخباره:

قد ذكرنا بداية أمرهم ومقتل أخاه ممهد الدولة في سنة إحدى وأربع مئة، وإقامة أحمد مَقامه، ولقَّبه القادرُ نصرَ الدولة، واستولى على ديار بكر وميّافارقين وله اثنتان وعشرون سنة، فأقام واليًا ثلاثًا وخمسين سنة، وأحسن السيرة، وعمر الثغور وحصَّنها، وأمنت (1) الرعية في زمانه، ووَزَر له أبو القاسم المغربي مرتين، وعنده مات، ووَزَر له فخر الدولة محمد بن جَهير، وكان عنده الحبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بُويه، اشتراه من ورثة الملك أبي منصور بن أبي طاهر، وأنفذَه إلى طُغْرُلْبك مع هدايا كثيرة تساوي ثلاث مئة ألف دينار، ومعها مئةُ ألف دينار عينًا، وهذا الحبل الياقوت هو الذي قدَّمه السلطان للخليفة لمّا نزل من الحديثة واجتمع به في البهو، وكان أبو نصر مُداريًا للملوك، إذا قصده عدوّ يقول: كم مقدار ما تنفق لردِّه؟ فإذا قيل له: مئة ألف دينار مثلًا، بعث بها إلى العدو ليدفع شرَّه عنه، وأمِنَ على عسكره من المخاطرة. وكان جوادًا سخيًّا، والرعية معه آمنون على أموالهم وحريمهم، وتزوَّج عدة من بنات الملوك، ولم يتنعَّم أحد من الملوك مثل تنعُّمه، كان في قصره ثلاثةُ آلاف جارية عمالات، يبلغ شِرى الواحدة من ألف دينار إلى خمسة عشر ألف دينار، وملَكَ خمسَ مئة سُرِّية سوى توابعهنَّ، وخمسَ مئة خادم، وكان في مجلسه من الأواني والآلات والجواهر ما تزيد قيمته على مئتي ألف دينار، ورأى من الالتذاذ بالدنيا والراحة ما لم يرَه غيرُه، ورخُصتِ الأسعارُ في زمانه، وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وسكن عنده العلماء والزُّهّاد، وبلغه أن الطيور تخرج من الجبال إلى القرى في الشتاء فتُصاد، فتقدَّم بفتح الأَهْراء (2)، وأن يُحمَلَ إليها من الحَبِّ ما يُشبِعُها، فكانت الطيور في ضيافته طول عمره، ولا يتجاسر أحدٌ أن يصيد طيرًا.


(1) في (ف): وامتنعت.
(2) الأهراء؛ جمع هُرْي: وهو البيت الكبير الضخم الذي يجمع فيه مال السلطان. اللسان (هرا).

<<  <  ج: ص:  >  >>