للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

إنَّ أمير المؤمنين بحُكم ما وكَلَه اللهُ إليه من أمور عباده وبلاده، وأوجبَ عليه من صلة طريقه في الإحسان إليه، رأى أن يُفوِّض أمورَ المسلمين والنظرَ في مصالحهم وإسباغَ ظل المعاطفة على أكابرهم إلى الحدِّ الذي يُخلي مشاربهم من الكدر، ويعري ملابِسَهم من ملابس الحَذَر، فكذلك اقتضَتْ عزائمُه الميمونة إحضارَ وزيرِ دولته محمد بن محمد بن جَهير وولدَه محمد، … وذكر الجماعة المُسَمين، وحين مثلوا بين يَدَي سُدَّته، أنعم متبرعًا بمشافهة سلالته [الطاهرة] (١) أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن أمير المؤمنين بتولية أمر المسلمين، وتصييره خليفته بعده في العالمين، وذكر ما يقتضي الوصية ويتضمن الإحسان إلى الناس، واتَّفقت وفاتُه يوم الخميس الثالث عشر من شعبان، وجلس الوزير فخر الدولة وولده عميد الدولة في الديوان على الأرض حافِيَين، وقد خرقا ثوبيهما، ونحَّيا عمامتيهما، وطرحا رداءين لطيفين عِوَضَهما، وفعل الناس مثل ذلك، ومنع المقتدي الجواري والخدم من الصراخ واللَّطم، وغُلِّقت الأبواب، وكان القائم قد أوصى بأن يُغسِّله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي الحنبلي، وأُعْطِي ما كان عنده وعليه، فامتنع ولم يقبل شيئًا.

وقال أبو محمد التميمي: ما حسدتُ أحدًا قطُّ إلَّا الشريفَ أبا جعفر في ذلك اليوم، وقد نال مرتبة التدريس والتذكرة والسفارة بين الملوك، وروايةَ الأحاديثِ، والمنزلةَ اللطيفة عند الخاصِّ والعام، فلمَّا كان ذلك اليوم خرج علينا الشريف وقد غسَّل القائم عن وصيةٍ منه بذلك، وأمر له بمال وبما عنده، وأعطاه الأمير عدة الدين جميعَ ذلك فلم يأخذ منه شيئًا، وكان له قيمة، وأخرج منديلًا من كمِّه نشَّف به القائم، وقال: هذا يكون في كفني. ثم خرج علينا ونحن قعود على الأرض كلٌّ منا قد مزَّق ثوبه، وغيَّر حالته على قدر منزلته في الدولة، وهو على حاله لم يغيَّر شيئًا، ومضى إلى مسجده، فعلمتُ أن الرجل هو ذاك.

ثم انتقل الوزير والجماعة من الديوان إلى صحن السُّلَّم بعد صلاة الظهر، وجلس المقتدي على كرسيٍّ، ودخل عليه الوزير عميد الدولة والقضاة والأعيان فبايعوه بالخلافة، وبرز المقتدي من وراء السَّيبة (٢) فصلى بالناس العصر، وبعد ساعة حُمِلَ


(١) ما بين حاصرتين من المنتظم ١٦/ ١٦١ - ١٦٣، والكلام منه.
(٢) السبيبة: شقة من الثياب. اللسان (سبب).