فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل في ذكر السُّريانِييِّن والكَلْدانيين والحَرّانيين

أول السُّريانيين آدمُ عليه السلام، حتى إنه قيل: لو تُرِك كلُّ مولود وطَبْعَه لتكلَّم بالسُّريانية. وامتدَّ الزمان عليهم، ولم يكن لهم بين آدمَ ونوحٍ مُلْكٌ، فلما كان الطُّوفان عاد مُلْكُهم بعده.

فأولُ ملوكهم نبيط بن سور بن سام بن نوح، وهم النَّبَط، وقيل: أولُ ملوكهم سوشان (1) وكان جبارًا، ويقال: إنه أولُ مَن وضع التاج على رأسه، فأقام ستَّ عشرة سنة، ثم هلك، وكانت الرعية قد صرفت الهِمم إلى هلاكه. وكان مُلْكُ السُّريانيين ببابل، فوَلي منهم جماعةٌ دون المئة سنة، وآخِر مَن ملك منهم أَخوان، يقال لأحدهما: أزود، والآخر: خلنجاس، فأحسنا السيرة وتعاضدا.

فحُكي أن أحدهما كان جالسًا ذات يوم في قصره، فنظر إلى أعلاه، فرأى طائرًا قد فَرَّخ هناك، وهو يَصيح وَيضرب بجناحيه، وإذا بحيَّة قد دبَّت تريد أن تأكل فِراخه، فرماها الملكُ بنُشَّابة فقتلها، وسَلِمت الفراخ.

فلما كان بعد أيام جاء الطائر وفي منقاره حبة، وفي رجليه حبَّتان، فصَفَق بجناحيه وألقى الحبَّ بين يدي الملك، فتأمَّله وقال: لأمرٍ ما ألقى هذا الطائرُ الحبَّ، ولا شكَّ أنه قصدَ مكافأتَنا على ما فعلنا معه.

ثم أخذه ولم يعرف أحدٌ في إقليمه ما هو، فقال له بعض الحكماء: أَودِعْه الأرض.

فأودعه الأرض فنبت، وأقبل يلتفُّ، فحَصْرم وأعنب، ولم يتجاسروا أن يذوقوه خوفًا أن يكون سمًّا، فقال الحكيم: اعصروه، فعصروه، وأودع ماءَه الآنية، فهدر وقذف بالزَّبَد، وفاحت له ريحةٌ عطِرة، فأحضر الحكيم شيخًا كبيرًا، فسقاه منه قَدَحًا فتهلَّل وجهُه، ثم سقاه آخر فضحك، ثم سقاه آخر فصفّق وطرِب ورفع صوته يتغنَّى، فقال الحكيم (2): هذا شرابٌ يَذهب بالعقل، ألا ترون الشيخ كيف عاد إلى الصِّبا وقوَّة الشباب وسلطان الدم! ثم أفاق الشيح وقال: ما أرى هذا الطائر إلا أراد مكافأتكم بهذا


(1) في تاريخ اليعقوبي 1/ 81، ومروج الذهب 2/ 78: شوسان.
(2) في مروج الذهب 2/ 91 أن قائل هذا الكلام هو الملك.

<<  <  ج: ص:  >  >>