للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

صفوفًا، بين كلِّ صَفَّيْن مجالٌ للخيل، وأقبل دُبَيْس وقد رَتَّب عسكره صَفًّا واحدًا، وقد مَنَّاهم ووعَدَهم نَهْبَ بغداد ودار الخليفة، وبين يديه البغايا والمخانيث بالدفوف والملاهي والزمور والخمور، وعسكر الخليفة يعجُّ بقراءة القرآن والتسبيح والدُّعاء.

وفي هذه الليلة اجتمعَ أهلُ بغداد إلى المساجد، وقرؤوا الختمات، وابتهلوا إلى الله تعالى بالأدعية.

ولما تراءى الجمعان، وكان البُرْسُقي في الميمنة، وزَنْكي بن آق سُنْقُر في الميسرة، ومقدَّم رَجَّالة دُبَيْس عنتر بن أبي العَسْكر الكردي فحمل، فتتعتعَ الصفُّ الأول، وكان الخليفة، ووزيره أحمد بن نظام المُلْك في آخر الصُّفوف، فقال له الخليفة: ما ترى؟ فقال: يا أمير المؤمنين اصعدِ العتيق، فصَعِدَ والأعلام على رأسه، والشمسة والمَهْدُ بين يديه، وشَهَرَ الخليفةُ سيفه، وكبَّر، وتأخَّر عنتر، ويقال: إنه خامَرَ على دُبَيْس، وحمل زَنْكي بن آق سُنْقُر، فأَسَرَ عنترًا، وحَمَلَ البُرْسُقيُّ والعساكر والخليفة، فانهزمَ دُبَيْس، وقُتِلَ مُعْظم أصحابه، واسروا ونُهبوا، وغَنِمَهُمُ الخليفة وعسكره، وفاتَهم دُبَيْس، فجاء إلى الفرات، ومعه نَفَرٌ يسير، فرمى سلاحه، وألقى نفسه في الفرات، وأَدْركته الخيلُ، وهناك امرأةٌ عجوز تغسلُ الثِّياب، فعرفتْ دُبَيْسًا، فقالت: هاه، دُبَيْرُ جِئْتَ. فقال: دُبَيْر مَنْ لم يجيء. وأتى القتلُ على مُعْظم أصحابه؛ وكان أحدهم إذا قُدِّم ليقتل يقول: فِداك يا دُبَيْس. وقُتِلَ جميعُ الرَّجَّالة والمخانثة والبغايا، وأسروا ثلاثة آلاف، ولم يُقتل من عسكر الخليفة سوى عشرين فارسًا، وعاد الخليفةُ إلى بغداد يوم عاشوراء، فكانت غيبته ستة عشر يومًا (١).

ولما عاد ثار العوام ونهبوا مقابر موسى بن جعفر (٢)، وقلعوا شبابيكه، وما كان فيه من الودائع والذخائر، وبلغَ الخليفة، فأنكر ذلك، وبعث نظر الخادم إلى المشهد يَتَّبَّعُ المُفْسدين، ورَدَّوا بعضَ ما أخذوا (٣).


(١) انظر "المنتظم": ٩/ ٢٤٢ - ٢٤٣، و"الكامل" ١٠/ ٦٠٧ - ٦٠٩.
(٢) وتسمى كذلك مقابر قريش، وهو الأشهر، انظر: "معجم البلدان": ٥/ ١٦٣.
(٣) انظر "المنتظم": ٩/ ٢٤٣، و"الكامل": ١٠/ ٦٠٩.