فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السَّنة الثلاثون وخمس مئة

فيها في المحرم وَصَلَ يرنقش الزَّكوي في أمورٍ صعبة رُفِعَتْ إلى الخليفة؛ منها أَنَّه مطالبٌ بخطٍّ كتبه المسترشد بسبع مئة ألف دينار ليتخلَّص من أَسْره، ومطالب لأولاد صاحب المخزن بثلاث مئة ألف دينار، وقسط على أهل بغداد خمس مئة ألف دينار وغير ذلك، فاستشار الرَّاشدُ أربابَ دولته، فأشاروا عليه بالمكاشفة، فبعث إلى يرنقش يقول: قد عَلِمْنا في أيِّ شيء جِئْتَ: أما الأموال المضمونة فإنَّها كانت لإعادة الخليفة إلى داره سالمًا، ومستقرِّ عِزِّه آمنًا، لا للممالأة على قتله، وأما أموال النَّاس فلا سبيلَ إليها، وما لك عندنا إلا السَّيف؛ وأنا مطالِبٌ بثأر أبي.

وقطع خُطْبة سنجر ومسعود، وكاتَبَ زَنْكي، وأطمعه في المُلْك، وقال: يكون الملك ألب رسلان بن محمود الذي عندك، وأنت أتابكه.

وكاتَبَ يرنقش البازدار وإقبال الخادم، وأياز صاحب محمود فَقَدِمُوا عليه، وعليهم ثيابُ العزاء، فحسَّنوا للرَّاشد الخروج، واستوزر أبا الرِّضى ابن صدقة، وجاء داود، فنزل دار المملكة، وبَعَثَ الرَّاشد إليه وإلى زَنْكي والجماعة الأموال والهدايا. وخطب لداود في صفر.

ثم إن الرَّاشد بلغه عن إقبال الخادم أنه كاتَبَ مسعودًا، فقبض عليه، فأرسل زَنْكي يقول: هذا قد جاء في صحبتي، وهو في ضماني، ولا بُدَّ من الإفراج عنه. فامتنع الرَّاشد، وشَفَعَ فيه جميعُ الأُمراء، فلم يقبل، وكان ذلك سببًا لفساد حال الرَّاشد، فركب زنكي والبازدار إلى السُّور، وأخربوا منه قطعة، وجاء زنكي فوقف تحت التَّاج، وسأل في إقبال سؤالًا تحته إلزام، وكان إقبال قد وُكِّلَ به في التَّاج، فَغَفَلَ عنه الموكَّلون، فهرب إلى زَنْكي، فَصَعُبَ على الخليفة، ووكَّل بأُستاذ الدَّار، والبوابين، وقال: كيف جرى مثل هذا؟ ! وكان إقبال من خُدَّام المسترشد أستاذ داره، فلما قُتِلَ المسترشد هَرَبَ من مَرَاغة إلى زَنْكي، فأقام عنده.

<<  <  ج: ص:  >  >>